آخر تحديث: 17 / 10 / 2019م - 11:01 م  بتوقيت مكة المكرمة

شوك الطريق يثمر قمحاً

من لا يصدق أن عجلةَ الزمنِ تدور فليسأل من عاشَ عشراتِ السنين كم رأى من غنيٍّ افتقر وكم من فقيرٍ استغنى! تدور العجلةُ على يد الإنسانِ الذي في كلِّ جزءٍ من الأرضِ فيه الخير مدفوناً تحت ركامِ الشر، لكننا نحتاج من يزيح الغبار عن ذلك التبر والمعدن الثمين الأصيل ليراه الناسُ جميلاً جمالَ طبيعةِ الفطرة التي أودعها الله في خلقه. بين قصاصاتِ إبداع البشر الذين صبروا على الزمانِ فدارت عجلته لا لتسحقهم بل ليصعدوا فوقها نحو المخرج من الضنك رجلٌ من بلدٍ يعتقد الناسُ أن ليسَ فيها فقراء!

لم يكن جيمس روبرتسون البالغ من العمرِ 56 سنة والذي يعيش في مدينةِ ديترويت رجلاً رياضياً متمرساً، كان يركب الحافلةَ جزءً من الطريقِ ولكنه يكمله ماشياً 34 كيلومتراً ذهاباً وإياباً للمصنعِ الذي يعمل فيه في رحلةِ مشيٍ لأربع ساعاتٍ في الطريق. كان جيمس يغادر منزله في الساعةِ الثامنة صباحاً ويعود ليلاً على مدارِ خمسةَ أيامٍ كل أسبوع بعد أن تعطلت السيارة القديمة التي اشتراها بخمسمائة دولار ولم يعد باستطاعتهِ شراءَ أخرى. لم يتخلف جيمس يوماً واحداً طيلةَ العشر سنوات التي مشى فيها وعندما يصل المعمل يوافي المشرف ويتحدثان بأريحية عن الألعاب الرياضية في الليلة السابقة، يحب عمله ويحبه المشرفُ على العمل. كان يقول: لا أتصور نفسي دونَ عمل ثم يدعو اللهَ أن يبقيهُ سالماً قوياً. يأتي الظلامُ فيعود ماشياً إلى منزله وقد يُسرق في الطريق كما حصلَ ذاتَ مرة وهكذا ديدنهُ في اليومِ التالي.

لا بد أن يكون الصبرُ مفتاحاً للفرج، إذ لاحظه موظفٌ في البنكِ ذاتَ مرة فأوصله وأصبح صديقه ثم شاركَ معاناة جيمس مع الصحيفة المحلية ونشرَ القصةَ تلميذٌ في الجامعة ثم تقاطر الناسُ على جمعِ المال فأهدته شركةُ سيارات واحدةً جديدة وأعطاهُ الناسُ مبلغاً كبيراً من المالِ أصلحَ به منزله واستعدَ للتقاعد وذاعَ صيته في كثيرٍ من الدولِ خارجَ أمريكا الشمالية.

سألت نفسي هل كان سوف يصبر أحدنا على أربع ساعاتٍ من المشي في الثلوجِ والعواصفِ وتحتَ لهيب الشمس من أجلِ الحدِّ الأدنى من الأجر كما مشى جيمس أم هل كلنا سوف نلعن كلَّ خطوةٍ نمشيها؟ كان جوابي: جزماً يمشي ويصبر على مثلِ هذه المشقة من يرى العملَ عزاً وكرامةً تعلو مسألةَ الناس. ثم هل كان أحدٌ من الناس سوف يلاحظه يمشي متعرقاً في حالةٍ مزريةٍ في الطريقِ كلَّ يومٍ وبعدها تعطيه شركةُ السيارات واحدةً وتزيد عليها حذاءً جديداً، والناس يعطوه المالَ ليخرج من وادي الحاجةِ إلى تلةِ العزة؟ ترى هل أنَّ الناس كانوا يقولونَ عنه مسكينٌ يمشي كلَّ يوم، ثم يثيرونَ الغبارَ في وجهه ولن يكرِّمه أحدٌ إلا في أيام النعي حين يقول من ينعاه كان كادَّاً على عياله وبعدها ينسوه! هل سوف يكرِّمون به الفقيرَ المدقع العامل الذي لا يملك مركبةً فارهة أم فقط يكرمونَ الغني العزيز الذي يشاركونه في عزِّه وسؤدده؟

أسئلةٌ لم تسكن في رأسي طويلاً لأنني أعتقد أن كلَّ بقعةٍ من الأرضِ فيها من الخيرِ المخبأ وراءَ جدرانِ المحبةِ يجده الإنسانُ حين ينادي أخاهُ أن يأتي ويأخذ بعضده ليخرجه من وحلِ الحاجة لا يسأله عن مخبره، فقط لأنه رأى فيه إنساناً يشبهه في مظهره.

مستشار أعلى هندسة بترول