آخر تحديث: 14 / 12 / 2019م - 3:10 م  بتوقيت مكة المكرمة

يا ليلُ تبقى ساترًا؟

إن أنتَ في عمري ربما انزاحَ عنك سترٌ من الأستارِ الأربعة التي كنتَ تملكها، جاء ذلك السترُ في سنوات الصبا والدلال، في طول الليالي، كلما ابتعد عنك الستر أعادته امرأةٌ لا تَمل، كلما ارتكبتَ خطيئةً ورأتك أغمضت عينيها؛ خوفًا عليك من الافتضاح، تلك المرأة هي أمكَ التي لن تنسى رائحةَ خمارها ما بقيت، وإن كنت لا تزال تحيا تحتَ ردائها؛ فتمتع به، وادعُ ربكَ أن يبقى ذلك الظل والستر طويلًا قبل أن تصبحَ غريبًا تقفل الدنيا عنكَ أبوابها.

ثلاثةُ أستارٍ أخرى تسترنا وتحجبنا من أن ننكشفَ على الناسِ فيما لا نحب أن يروه منا، اللهُ، وبساطُ الليل، وذواتنا؛ في طباعِ الناس التلصص والرغبة في النظرِ خلف الستر والحجب المانعة، لعلهم يحظونَ برؤيةِ ما خفيَ عنهم من عوراتِ غيرهم، إلّا أن الليلَ في طبعه أن يلفَّ في ظلامه ويستر عنهم كثيرًا مما خفي، كان سوادُ الليلِ يغطي كلَّ شيء، ولا يُري الناسَ إلا ما سمحَ ضوءُ القمرِ الخافت بأن ينكشفَ للناظر.

في أضواء المدنية المعاصرة ضعف سترُ الليلِ، وكاد أن يختفي كليةً، ولم نعد نسمع أيًّا من الشعراءِ والمغنينَ ينادي يا ليل! في الليل يشكو الشاكونَ، ويبكي الباكون، ويناجي ربهم المناجون دون أن يراهم أو يسمعهم سواه، قال أبو فراس الحمداني:

إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى 

وأذللتُ دمعًا منْ خلائقهِ الكبرُ

يمتد سِترُ الله في الزمانِ والمكان، نحن نكشفه، ونمزقهُ، ويصر اللهُ أن يعيدهُ ويرقعه، يستر كل خطايا الليل وخطايا النهار، وما لم تستطع أمهاتنا ستره، وإذا انكشف سترُ اللهِ في لحظاتِ ضعفِنا في الدنيا بقيَ فاعلًا في الآخرة، لكن حذارِ فكل الأستار تتمزق حين يختفي الستر الذي تنسجه ذواتنا، وتضفيهِ علينا إرادتنا في حجب خطايانا عن أعينِ الناس! في أوقاتِ الغرور وبهاءِ رداءِ الشباب تقول الشياطين لنا: تكلموا، واكتبوا، واخلعوا كل ما يستركم من الناس وأروهم مفاتنكم، سوف تبدونَ على حقائقكم الجميلة والبديعة، حينئذٍ سوف يزول ذلك السترُ حتمًا! ومتى ما عرفَ الناسُ ما خلفَ الأستار الأربعة فقدت الأستارُ مناعتها، ونالَ الناسُ مرادهم ومبتغاهم.

ليس الغرباء في حنانِ وستر أمهاتنا، ولا في مثل ”مسكين الدارمي“ في الكرمِ، والسخاء، وعفةِ السمع، والنظر إلى عورة جاره، حيث يقول:

ما ضرَّ جارًا أن أجاورهُ

ألَّا يكونَ لبابهِ سترُ

أعمى إذا ما جارتي خرجتْ

حتى يُوارى جارتي الخدرُ

ناري ونارُ الجارِ واحدةٌ

وإليهِ قبلي ينزل القدرُ

إذًا، فلِمَ نُرخِي تلك الحُجب والأستار للغرباء، ونريهم ما لا يحسن أن يروا؟!

إن خفي طلب الستر على القاصد فقد خفيت الحكمة الناطقة من فم الضفادع:
قالت الضفدعُ قولاً
فسرته الحكماءُ
في فمي ماءٌ وهل
ينطقُ من في فيهِ ماءُ؟

مستشار أعلى هندسة بترول