آخر تحديث: 19 / 9 / 2020م - 9:13 م  بتوقيت مكة المكرمة

الانعزالية.. المجتمع

محمد أحمد التاروتي *

يمثل المجتمع محورا أساسيا في تشكيل طبيعة العلاقة مع الفرد، فكلما كانت مساحة الحرية كبيرة، كلما توطدت العلاقة بكل اكثر، فيما تكون العلاقة شبه مقطوعة او هامشية مع تضييق الحرية، وطغيان ”المحرمات“ على ”المباحات“، الامر الذي يفسر الاختلاف الكبير في الولاء والانتماء بين الافراد، نظرا لطبيعة الفائدة المرجوة من وراء الارتباط المباشر مع البيئة الاجتماعية، وبالتالي فان المجتمع تارة محور استقطاب وتارة أخرى عامل طرد، تبعا للاليات المتبعة في التعاطي مع شبكة العلاقات الداخلية بين الافراد.

الكبت الاجتماعي بمختلف صوره واشكاله، يدفع باتجاه التقوقع لدى الافراد، نظرا لعدم القدرة على التأقلم مع الأجواء المشحونة بالخطوط الحمراء، مما يحدث ردة فعل سلبية وعنيفة أحيانا، بحيث تظهر على شكل مواقف غير متوازنة او انفعالية في الغالب، نظرا لفقدان السيطرة على الذات في التعامل مع انخفاض سقف الحرية، اذ يحاول البعض التصادم المباشر لانتزاع بعض المكاسب بطريقة مباشرة او غير مباشرة، الامر الذي يفسر حالة الغليان الكبيرة لدى بعض الافراد، تجاه بعض التقاليد الاجتماعية السائدة، باعتبارها احد الأسباب وراء الانفصال شبه التام مع مختلف الشرائح الاجتماعية.

الفشل في مقاومة ”المحرمات“ الاجتماعية، وعدم القدرة على اكتساب ”المناعة“ الذاتية، عوامل أساسية وراء اتخاذ قرار الانعزال والانزواء ضمن دائرة ضيقة، كردة فعل سلبية تجاه بعض السلوكيات الضاغطة، التي تمارس تجاه الفرد، وبالتالي فان الانعزالية تمثل حالة ”سلبية“، وقتل الطاقات والكفاءات، لاسيما وان الانزواء لا يجلب سوى الخسران، والانسحاب عن المساهمة في المسيرة الاجتماعية.

انعدام الإرادة القوية لاحداث تغييرات على الصعيد الاجتماعي، ورفع الراية البيضاء تجاه بعض ”المحرمات“ الاجتماعية، تلعب دورا أساسيا في اختيار طريق ”الانعزال“ عن المجتمع، لاسيما وان الإرادة القوية قادرة على تحطيم القيود الاجتماعية، سواء المادية او المعنوية، فالمرء يما يمتلك من إمكانيات وقدرات هائلة، يمثل المحور الأساس في تحريك البيئة الاجتماعية، الامر الذي يعود على المجتمع بالفائدة الكبيرة، فيما الاستسلام وعدم الوقوف امام ”المحرمات“ الاجتماعية، يخلق بيئة اجتماعية ضعيفة، وغير قادرة على احداث تغييرات جوهرية، في مختلف الأصعدة.

المجتمع يتحمل جزء أساسيا من ”الانعزالية“ الفردية، لاسيما وان الضغط يولد الانفجار وعدم القدرة على التحمل، مما يستدعي وضع الأطر المناسبة لاستقطاب الكفاءات، ومحاولة الاستفادة منها بطريقة إيجابية، خصوصا وان بعض المجتمعات لديها قدرات هائلة في ”قتل“ الكفاءات، وتحطيمها بشكل جزئي او نهائي، الامر الذي يحدث اثرا سلبيا في عملية البناء، وعرقلة مسيرة التنمية الشاملة، وبالتالي فان توفير المناخ المفتوح لاطلاق الكفاءات يتطلب إيجاد برامج مرنة، وقادرة على التفاعل مع الجميع، لاسيما وان فتح الأبواب امام بعض الفئات، واغلاقها امام الشرائح الاجتماعية، يدفع باتجاه تفريغ البيئة الاجتماعية من الطاقات البشرية، نتيجة اللجوء الى الانعزالية والتنازل عن النظرة الإيجابية، والاستعاضة عنها بالنظرة السلبية، وغير المتفائلة على الاطلاق.

الانعزالية تمارس باشكال مختلفة، فتارة تكون عبر الجلوس بعيدا عن المجتمع، ومحاولة البقاء بعيدا عن الأضواء، وتفضيل البقاء في الظل عوضا من الجلوس في النور، بينما يفضل البعض هجران المجتمع بشكل نهائي، من خلال الهجرة باتجاه البيئات المفتوحة، نظرا للاحساس بالانكسار وعدم وجود التقدير المناسب، لاسيما وان الكفاءات العلمية بحاجة للرعاية الكاملة، عوضا من ابتكار أساليب التحطيم، وبالتالي فان المجتمع يمثل البوصلة القادرة على وضع الأمور في المساس الصحيح، خصوصا وان المجتمع الواعي بامكانه احتضان الجميع، عوضا من الاجبار على ”الانعزالية“، باعتبارها مرض خطير يصيب العقول العلمية، بالشلل سواء الجزئي او الكامل.

كاتب صحفي