آخر تحديث: 13 / 11 / 2019م - 10:53 م  بتوقيت مكة المكرمة

مستشفانا تعبان

سراج علي أبو السعود * صحيفة الرأي السعودي

في زيارة لي لأحد المستشفيات، قُدر لي الجلوس مع شخص يملك تجارب سيئة مع أحد المستشفيات الحكومية، هكذا سرد الكثير من السلبيات التي كان شاهدًا عليها في هذا المستشفى، وهكذا كانت بديهته حاضرة للرد على أي محاولة للدفاع أو التبرير عن تلك الأخطاء، فيما يمكن الادعاء أن جانبًا مهمًا افتقد إليه في حديثه ويفتقد له كثيرون في تقييم المستشفيات الحكومية عمومًا وهو النظر إلى العدد الكبير من طالبي الخدمة من هذه المستشفيات والقدرة الاستيعابية لها بالنسبة لذلك، والذي يسهم منطقيًا في انخفاض الوقت الذي يخصصه الطبيب لكل مريض، وكذا لعدم إمكانية التنويم الداخلي في المستشفى بسبب عدم وجود السعة السريرية اللازمة لاستقبال المزيد من المرضى، كل تلك تعتبر تحديات تحول بين الطبيب وبين أن يصل في مستوى الخدمة إلى ما يتمناه المراجع، ليس تقصيرًا منه بقدر ما هي أسباب قهرية لا يستطيع تجاوزها.

تعتبر دوائر التنبؤ في كل المنظمات الخدمية من أهم الدوائر، وظيفة هذه الإدارات عمل دراسات تحدد الاضطراد في أعداد طالبي الخدمة وخطط التوسع التي تضمن وصول الخدمة لكل طالبيها في الوقت المناسب وبمستوى الجودة المطلوب، عدم قيام هذه الإدارة بدورها كما يجب يؤدي كنتيجة حتمية إلى عدم قدرة هذه المنظمات على خدمة المستفيدين، وجود مستشفى بسعة معينة في منطقة يتضاعف فيها السكان سيقود لا محالة لخلل مستقبلي في الخدمة، وجود ملعب رياضي بسعة محدودة لن يستطيع استيعاب أعداد الجمهور المتزايد في المستقبل، الحال هو الحال في المدارس والشوارع ومراكز الترفيه والوظائف وفي كل شيء، فعدم وجود خطط توسعية تتناسب مع زيادة أعداد طالبي الخدمة سيصل بهذه المنظمات إلى نقطة يجعلها غير قادرة على تقديم الخدمة بشكل جيد بل وبحدوث أخطاء كبيرة تتكرر بين الحين والآخر، حينها لا يمكن اعتبار الكادر الوظيفي في هذه المنظمة مخطئين أو مقصرين في كل شيء، فالطلب على الخدمة أعلى بكثير من قدرتهم على تحقيقها كما يجب.

في اعتقادي أنَّ المنظمات الخدمية معنية بدراسة الاضطراد المستقبلي في الطلب على خدماتها، وخطط التوسع التي تستطيع مواكبة هذا الاضطراد، هذا إذا أرادت بالفعل تحقيق أعلى مستويات الرضا لدى عملائها، من جانب آخر فإنَّ تقييم مستوى الخدمة في المنظمة ينبغي أن يراعي الإمكانيات المتوفرة لديها والظروف القهرية التي تعيشها، فحينما يسعى مستشفى طاقته الخدمية لا تتجاوز المائة مراجع في اليوم إلى خدمة ألف مراجع، فإنَّ من الظلم اعتبار الأخطاء إن وجدت دلالة على التقصير.

في تصوري أننا نحتاج للمزيد من قراءة أسباب الفشل والتعثر إن وجدت بموضوعية وتجرد، هذا إذا أردنا أن يكون لنا رأي منصف، أما عدا ذلك فستبقى «مستشفانا تعبان» متكررة دائمًا، وسيبقى الأطباء والإداريون كلهم مشتركين في هذا السوء دون أن نكلف أنفسنا ولو للحظة للتأمل في الأسباب القهرية التي دعت لذلك.