آخر تحديث: 19 / 9 / 2020م - 9:35 م  بتوقيت مكة المكرمة

التصنع.. المجتمع

محمد أحمد التاروتي *

التصنع مرض يصيب البعض، بهدف خلق هالة ”كاذبة“، وإخفاء الكثير من العيوب، خصوصا وان اكتشاف تلك العيوب يحدث صدمة نفسية لدى تلك الفئة، جراء اماطة اللثام عن الوجه الاخر، الامر الذي يدفع لمحاولة إخفاء بعض الحقائق، او محاولة ممارسة أدوارا لا تتناسب مع الإمكانيات والقدرات، بهدف لفت الأنظار، ومحاولة تبوأ مواقع اجتماعية بواسطة ”الكذب“ والخداع، الامر الذي يدفع لاستمرار في سياسة التصنع، وعدم الالتفات للدعوات الصادقة، بضرورة التعامل بصدقية وواقعية مع الاخرين، انطلاقا من مبدأ ”حبل الكذب قصير“.

الشعور النقص تجاه بعض الشرائح الاجتماعية، تمثل احد الأسباب وراء استخدام لعبة ”التصنع“، في مختلف التعاملات اليومية، خصوصا وان الإحساس ب ”الدونية“ يولد حالة من القهر الذاتي، مما يشكل محركا أساسيا لمحاولة سد هذه الثغرة، بتقمص أدوار تتجاوز الواقع الحقيقي، الامر الذي يدفع باتجاه استخدام الكثير من الأدوات غير المألوفة او المستهجنة، بغرض رسم صورة مغايرة لدى بعض الشرائح الاجتماعية، فتارة يكون من خلال الالتصاق بشرائح ذات مستوى اجتماعي كبيرة، وتارة أخرى عبر الانتساب لبعض الشرائح الاجتماعية، بغرض إرضاء الذات ومحاولة قهر الشعور بالنقص.

عملية التصنع سلاح فتاك، وغير مضمون النتائج، فالمجتمع يمثل المعيار الأساسي للنجاح او الفشل، مما يستدعي احتساب الخطوات بدقة عالية، لاسيما وان السقوط يمثل النهاية الحقيقة، وبالتالي فان عملية الرجوع او تصحيح المسار، تتطلب الكثير من الجهد والمزيد من العمل، لاعادة الأمور لسابق عهدها، فالذاكرة الاجتماعية تلعب دورا محوريا في تحديد الخطوة القادمة، خصوصا وان المجتمع الواعي لا ”يغفر“ عمليات الاستغفال، التي يمارسها ”المتصنع“ لاحتلال مواقع متقدمة في الوسط الاجتماعي، وبالتالي فان مبدأ ”المسامح كريم“ لا يعمل لدى بعض المجتمعات الواعية، فيما يكون ساريا لدى بعض المجتمعات الأخرى.

مصير التصنع يحدده المجتمع في الغالب، فهناك مجتمعات تدفع باتجاه انتهاج هذه الممارسة غير ”الأخلاقية“، من خلال تقديم الأشخاص غير المؤهلين، مما يدفع البعض لمحاولة تقليد تلك الشخصيات، بغرض تحقيق تلك المكاسب، والحصول على النفوذ الاجتماعية، خصوصا في ظل اعتماد الاليات غير الأخلاقية في التعاطي مع المواقع الاجتماعية المتقدمة، وبالتالي فان الوسط الاجتماعي يحرك النفوس ”المريضة“ باتجاه انتهاج سياسة ”التصنع“، باعتبارها احد الأوراق الرابحة في عملية احتلال المواقع القيادية، بمعنى اخر، فان البيئة الاجتماعية تسهم في عملية صعود لعبة ”التصنع“ لدى الكثير من الأشخاص، جراء انعدام الاليات الأخلاقية الحاكمة، في تحديد المواصفات المطلوبة لتسلم المواقع المتقدمة.

فيما يكون ”التصنع“ لعبة فاشلة، وغير مقبولة على الاطلاق، لدى بعض المجتمعات الواعية، فهذه المجتمعات ترفض جميع اشكال التلاعب بالقيم الأخلاقية، مما يشكل عامل ضغط على الأشخاص، الذين يحاولون اختراق تلك الضوابط بطرق ملتوية، وبالتالي فان المحاولات على اختراقها تكون فاشلة، نظرا لإغلاق جميع الثغرات والطرق الرئيسية والفرعية، المؤدية لانتشار لعبة ”التصنع“ في البيئة الاجتماعية، خصوصا وان الاثار المترتبة على ”التصنع“ لا تقتصر على جيل من واحد، وانما تمتد لاجيال قادمة، نظرا لسيطرة هذه الآفة على السلوكيات العامة، واتخاذها مسارات لتجاوز الكفاءات عبر ”التصنع“، وعدم اعتماد الشفافية الكاملة في الممارسات اليومية، الامر الذي يشكل خطورة كبرى، على المسيرة الاجتماعية بشكل عام.

يبقى التصنع لعبة ذات علاقة بالسلوك الشخصي، وعملية التقويم مرتبطة بالنظرة الاجتماعية، تجاه هذه الممارسة على الصعيد الخارجي، فاذا اتسمت بالرفض وعدم القبول، فان الاثار ستبقى محدودة للغاية، وغير ملموسة على الصعيد الاجتماعي، فيما ستكون الأمور اكثر سوء بمجرد تحولها الى ثقافة اجتماعية، وسلوك مقبول في الثقافة اليومية.

كاتب صحفي