آخر تحديث: 30 / 10 / 2020م - 10:36 م

من أكاديمية «فلورانس» إلى منحوتاته الأخيرة في الصين..

كمال المعلم: شرَّحتُ جثث الخيول ومشروعي القادم نصٌ لقاسم حداد!

جهينة الإخبارية حاوره: علي سعيد - صحيفة الرياض
الفنان كمال المعلم
الفنان كمال المعلم

لم أطمح البقاء في إيطاليا

رغم قرب المسافة، إلا أن الوصول إلى كمال المعلم ليس أمراً سهلاً أبداً؛ إذ إن استباحة عوالم هذا الفنان التشكيلي السعودي، تعد مجازفة ولكن باتجاه الجمال. صاحب مجسم «العاديات» الذي اجتاز ثلاثة عقود ونصف من العمل الفني والإبداعي الخالص؛ مر بتجربة تستحق أكثرة من وقفة تأمل ودراسة، فهو الذي بدأ الفن خطاطاً في الساحة المحلية، ثم رساماً يافعاً متحدياً، أصر وحيداً على الذهاب لإيطاليا لدراسة الرسم، ليجد ذاته في المدينة التي لطالما قرأ عنها، أنها «فلورانس» منبع عصر النهضة الأولى في القرن الخامس عشر الميلادي. ثم ليلتحق بجدارة بأكاديمية الفنون الجميلة هناك وينتزع بتفوق درجة الامتياز من «قسم الرسم» تحت إشراف الأكاديمي الراحل البروفسور قوفردو تروفاريلي في العام «1982 ويعود إلى وطنه منخرطاً في دعم الحراك الفني والتشكيلي من خلال مكتب الرعاية والشباب بالدمام بداية الثمانينيات؛ إلا أن كمال المبدع الذي نسي نفسه خدمةً للآخرين، استعاد وجوده الفني عبر تجربة معرض فرسي «1995» الذي فاجأ الكثيرين وطاف أكثر من بلد، لتقدر مبيعات المعرض، ما يفوق النصف مليون ريال. غير أن التجربة الأحدث لكمال المعلم، فاقت ذلك المتوقع، عندما ظهر مجدداً للساحة الفنية ولكن من الصين، ليصنع هناك ثلاث مجسمات نحتت في الذاكرة وهي تنتصب بكبرياء في ساحات وحدائق جمهورية الصين. إنه كمال المعلم إذن والذي نحاول أن نقبض على بعض من تجلياته الجمالية، في حوار أجري في مرسمه الذي زرناه فيه حيث يعتزل الناس لإنهاء جدارية ضخمة لاشك أنها ستنضم لدهشات هذا المبدع الخلاق:

لقاء الفنان كمال المعلم

لنبدأ من ومضة فلورانس في مخيلتك.. وكيف ولد هذا الحلم الفلورانسي الذي تحقق في ما بعد؟

أولاً كانت بداياتي، بالخط العربي، ثم تطور إلى الرسم. وكنت وقتها كثير الاطلاع والسفر وأجلب معي كتباً كثيرة من الخارج، بالإضافة إلى الألوان. وفي تلك الفترة كنت أسافر إلى دول عربية كمصر والعراق. وأتذكر أن أول كراسة «خط» اقتنيتها كانت للخطاط العراقي هاشم محمد البغدادي، وكانت في العراق وتحديداً في العام الذي مات فيه الخطاط البغدادي «1973»، حتى أني احتفظت لفترة طويلة، بقصاصة لخبر وفاته في لندن عندما كان يشرف على طباعة القرآن. قبل مرحلة الدراسة الثانوية العامة، كان حلمي أن أدرس في فلورانس، لأن هذه المدينة الإيطالية، منبع عصر النهضة في أوروبا، تاريخياً. وفعلًا، بعد إتمام مرحلة الثانوية، حاولت أن أحصل على بعثة وسعيت لذلك، والتقيت بالأمير فيصل بن فهد رحمه الله، واستجاب لطلبي ولكن قال بأننا نحتاج إلى بعض الإجراءات الرسمية التي

تحتاج لفترة من الوقت. ولكي أتم الاجراءات ذهبت إلى وزارة التعليم العالي بالرياض لمقابلة وزير التعليم العالي معالي الوزير حسن آل الشيخ، ولم أجده وعرفت أنه متواجدٌ صيفاً في الطائف وذهبت إلى هناك في اليوم التالي ووجدته ورحب بي كثيراً وأوعز بانضمامي للبعثة بل ودعاني على الغداء في منزله، وهو بحق كان يمثل نموذجا رائعاً للمسؤول الغيور والمحب لخدمة الوطن والمواطن.

ولكن لماذا الإصرار على فلورانس؟

كان من خلال قراءاتي التاريخية للفن التشكيلي وأن كثيرا من الفنانين العالميين درسوا الفن التشكيلي في هذه المدينة وتحديدا في أكاديمية الفنون الجميلة في فلورانس. فأصبح لدي إصرار كبير على الدراسة في فلورانس. ثم سافرت للدراسة على حسابي، ولكي أسير وفق النظام، ذهبت للملحقية الثقافية السعودية في روما، وحاول مدير المكتب هناك الأستاذ عبد الله فطاني أن يقنعني بالجلوس والدراسة في روما، كي أكون قريبا من الملحقية، خصوصا وأني أدرس على حسابي، ولكن رفضت طلبه وأصررتُ إتمام رحلتي إلى فلورانس، رغم أن الدراسة على حسابي ولكن لم تكن تعنيني روما بقدر ما كانت تعنيني فلورانس. وبالفعل وصلت إلى فلورانس وبدأ المشوار.

عندما تقول: على حسابي، فمن المؤكد أن ثمة من دعمك من الأسرة؟

أجل، وأنا نشأت وتربيت بين عائلة، رباني فيها أخواني الكبار، لأني عشت يتيماً، حيث فقدت أمي وعمري ثلاث سنوات وأبي توفي وأنا في صف الثاني متوسط؛ وربوني أخواني الكبار «المرحوم عبد الوهاب المعلم ومحمد المعلم أطال الله في عمره» وعشت ولله الحمد، ولا كأني يتيمٌ. وهكذا ذهبت على حسابهم إلى فلورانس وأنهيت السنة الأولى بنجاح، ومن ثم ذهبت للالتحاق بالبعثة، ومن حسن حظي التقيت وزير التربية والتعليم الأستاذ حسن آل الشيخ الذي أذن بأن انضم للبعثة، رحمه الله.

هل واجهتك صعوبة في قبولك الدراسة في كلية الفنون الجميلة، خصوصا وأن قسم الرسم ليس أي شخص يمكن أن ينضم إليه؟

وأنا في الطائرة، ذاهبٌ إلى روما، كان لدي خوفٌ ما بعده خوف.. هل أقبل أم أرفض، خصوصا وأنني أدعىالفنان الذي يقيم المعارض في مكتب رعاية الشباب، آنذاك، لذا كنت أخشى أن أعود بخفي حنين. وعندما ذهبت إلى أكاديمية الفنون الجميلة، طلبت أن أدخل قسم الرسم وهو قسم ليس بالسهولة أن يقبل فيه أي شخص، لأن من الضروري أن تقوم بعمل دراسة أو سكتشات كثيرة على الموديل والطبيعة الصامتة، عكس قسم الديكور في الكلية. وبعد أسبوعين من الاسكتشات ومن الاطلاع والتعب وبعد فترة قبلت ولله الحمد. وكان لي الشرف الكبير أني درست على يد البروفسور قوفردو تروفاريلي.

نهاية السبعينيات هو الوقت الذي بدأ تصعد فيه موجة المحافظة اجتماعياً لأسباب محلية وإقليمية، إلا أنك تركت كل شيء وراءك وسافرت إيطاليا، لماذا لم تتأثر وتدخل هذه الموجة، بدل الإصرار على فلورانس؟

لم أتوجه لأني مبني دينيا من الداخل وأعرف أصول الدين ولأني نشأت في أسرة ملتزمة دينياً. هذه الموجة لم تغريني لأني لم أكن مفلساً دينيا، لكي عندما تأتي أي ظاهرة أو موجة فتغريني لكي أتوجه معها.

هل هذا البناء الديني هو الذي دفعك لأن تقدم منحوتات تبدو مبتورة الأطراف، بأن لا تصنع مجسداً كاملا، كما رأينا في تجاربك النحتية فيما بعد؟

هنا لا أفكر بهذه الطريقة. قد يكون في داخلي نعم ولكن أنا ابحث عن عدم كمال الشكل وهذه تعد خصوصية بالنسبة لي؛ ميزةٌ، تميز فرس كمال المعلم عن باق أعمال «الفرس» عند باقي الفنانين. قد يكون بتر بعض أجزاء الحصان يخدم التكوين والتصميم وهذا مهمٌ جداً. كيف أنه بترٌ ويكون إيجابيا وليس سلبياً.

العودة إلى البلاد

لقاء الفنان كمال المعلم

قضيت خمس سنوات في فلورانس، ثم عدت إلى بلدك، ما هي الأحلام التي حملتها من هناك وأنت في طريق العودة؟

من المهم عندما يكون لديك توازن في داخلك، لن يكون هناك شيء يزعجك جدا. كنت واثقا من البداية، أني سأذهب لأتعلم ثم أنتهي وأرجع «ديرتي» ولم يكن لدي طموح أن أسكن وأقيم هناك في فلورانس. وقبل عودتي كان في الملحقية الثقافية في روما، شخص لا أذكر اسمه، حببني للعمل في «رعاية الشباب» وقال لي أنها هي الجهة المسؤولة عن الفن والنشاط الثقافي والفني، وفعلا، بعد التخرج، رجعت وأصررت على العمل في «رعاية الشباب». وقد انتظرت تقريبا سنة كاملة حتى أمر الأمير فيصل بن فهد «رحمه الله» بتوظيفي. وبدأت العمل، في البداية، أخصائي فنون تشكيلية، ثم رئيس الشؤون الثقافية في مكتب رعاية الشباب في الدمام. ووقتها تجاهلت نفسي كثيرا كفنان وقدمت الكثير من الوقت والجهد لأن أخدم الحركة التشكيلية من خلال عملي في المكتب بالدمام.

كيف يعثر الفنان على هويته الفنية، فنحن عندما نقول كمال المعلم، تحضر صورة الفرس.. كيف عثرت على هذه الهوية/ الفرس؟

بدأت منذ الطفولة، كنا نقتني الكثير من الخيول العربية الأصيلة، كون عائلتي ميسورة وبخير ولله الحمد. وكان أبي أول من صعدني على ظهر الخيل وأعتقد أني منذ تلك اللحظة وهذا العشق في دمي. وحتى عندما ذهبت لفلورانس سجلت اسمي في نادي دسكانا للفروسية وكنت عضواً فيه. حيث كنت أذهب مرتين لثلاث مرات إلى النادي في الأسبوع.

هل يمكن القول إن الخيل هو محاولة لا شعورية لاستعادة شيء من الطفولة أو الأب الذي فقدت.. وكأن إبقاء الفرس خالداً هو إبقاءٌ للأب؟

ربما يكون رد جميل لأب ما استمتعت بالأبوة معه في حياتي وربما يكون وفاء وعرفاناً لوالدي لأنه هو أول من وضعني على صهوة الخيل.

حسناً وماذا يعني تحويل هذا الشغف إلى تجسيد فني بالنسبة لك؟

يعني أنك طالما تحب، يجب أن تخلص، وهو حبٌ بدأ منذ الطفولة. وعندما رجعت من فلورانس بدأت بالبحث في الخيل من خلال البحث في جثث الخيول «الطبيعية» وأحضرها إلى هذا المرسم «يشير إلى هيكل عظمي لخيل كبيرة».

تجربة «فرسي»

لقاء الفنان كمال المعلم

لو تحدثني عن التجربة العلامة.. معرض «فرسي»؟

طبعا، معرض فرسي، جاء متأخراً، بعد تخرجي بسنوات، وسببه أني كنت ألهث وراء طموح أن أقدم شيء كوظيفة ولخدمة الفنانين التشكيليين. ولا أبالغ أننا قدمنا معارض تستحق الذكر، وبكل اعتزاز من معرض محمد السليم إلى عبدالحليم رضوي وكلهم شاركوا لدينا في رعاية الشباب «الدمام» من هذين الرائدين في الفن السعودي إلى اقل واحد في المواهب التشكيلية. ثم جاء معرض «فرسي» بعد جهد وبحث في الجثث إلى الاطلاع والقراءة عن الحصان وظهر نتاج هذا المعرض الذي قدمت فيه، إما «أن أكون أو لا أكون». وأيضا كان هنالك موازٍ للألوان ثمة لوحة سمعية وهي خاطرة متواضعة باسمي ولحنها الفنان عبد الوهاب أبو زيد وغناها الفنانان حسين قريش وسلمان زيمان، ومنذ ذلك الوقت وأنا أبحث لأقدم ما هو في هذا المستوى أما اقل من ذلك فليس لدي الاستعداد أن أقدم.

شهد معرض «فرسي» تنوعا بين اللوحة والنحت والصوت، وكلها تدور حول الفرس. لماذا؟

أعتقد عندما تحب شخص، ستقدم له كل ما تملك. حبي للفرس دفعني لأن اقدم أكثر من التعبير للحب، سواء كان باللون أو المساحة أو الكتلة. وأعود «للأكاديمية»؛ تخصصي هو الرسم وأتذكر أني استأذنت برفسور الرسم وقلت له اريد أن أذهب خلال الاستراحة إلى قسم النحت، وذهبت واستأذنت أيضا من برفسور النحت وبدأت أحضر وأتذكر ما قاله لي بروفسور النحت، طالبا أن لا أصنع عملا نحتياً كبيرا كي لا تزعج الطلاب الأساسيين في قسم النحت. بل أن آخذ زاوية لعمل مجسم صغير، وبالفعل أنجزت هذه الدراسة التي بدأت في تطويرها في ما بعد. ما أود أن أقوله أنك طالما تأسست بشكل صحيح بوسعك أن تنحت وترسم، بخلاف الذي يأخذ الموضوع بمزاجية وتكوين وغيره. وهذا لست معه.

ماذا لو تحدثني عن مراحل تكوين العمل الفني والنحتي عندك؟

أعتقد أي عمل إبداعي يمر بمراحل، النحت لا يختلف عن اللوحة في بدايته، منذ ومضة الفكرة، وثم المراحل التي يمر فيها. الجميل في الإبداع أنك تبني وتهدم حتى تصل لقناعة أن بمقدورك الآن أن توقع عليه. ومنذ أن أوقع على العمل، يصبح بالنسبة لي، ابنٌ راشد وصل لعمر الثامنة عشرة وهو إذن مسؤولٌ عن نفسه.

«فلاش باك»

لقاء الفنان كمال المعلم

الخطاط حسن؟

رحمه الله.

بماذا تذكرك تلك المرحلة؟
طبعا الخطاط حسن معتوق العيد «أبو ياسر» كان هو الخطاط الوحيد في مدينتي «سيهات» ومن ثم أتيت بعده مباشرة. وكان ذلك قبل ذهابي لإيطاليا، أي في نهاية السبعينيات. وفي ذلك الوقت بدأت مشواري خطاطاً، عندما وضعت على حيطان الشوارع، إعلانا يقول: «أقصدوا الخطاط كمال، بجانب مسجد السوق» وهذا المسجد هو مسجد أسسه جدي أحمد «رحمه الله»، وبالتالي هو يجاور بيتنا، وقد نشرت هذا الإعلان وفرحت به كثيرا، وفي العصر عندما خرجت من البيت، وجدت الإعلان مخربشا عليه ومكتوب بجانبه «لايعرف». وأتذكر أن الخطاط قال لأخي جمال: قل لأخيك كمال أن يذهب ويتعلم الخط قبل أن يعمل ومرت الأيام وأصبحنا أصدقاء واعترف بي كخطاط ووقتها بدأت حقا بالخط وقد افتتحت محل خط في شارع الملك سعود بالدمام بجانب بنك الرياض الرئيسي وكان بجانبي في الشارع، افتتح حسن محلا للخط ايضا، وقد افتتحت المحل فقط في العطلة الصيفية بدافع الحماس ووقتها كان أيجار الشهر بمائتي ريال.

دعنا نرحل من المنطقة الشرقية إلى الصين، حيث فاجأت المشهد من هناك.. ماذا لو تحدثني عن هذه التجربة؟

تجربة الصين هي محطة إثبات وجود. ولا أخفيك أن بعد معرض «فرسي»، سمعت أفواهاً كثيرة تقول إن كمال المعلم لن يقدم شيئا أكثر مما قدمه، وهذه العبارة سمعتها وفي جعبتي الكثير. وجاءت فرصة الصين وأثبت وجودي في التجربة الأولى بعمل مجسم «حرير الخيل» عام «2008»، وقال الكثيرون أنك لن تقدم أكثر مما قدمت، وجاء عام «2009» وقدمت مجسم «عنتر وعبلة» وفي عام «2011» قدمت «العاديات».

هل صحيح أن مجسم حرير الخيل، كان أول عمل برونز لك؟

أجل، وكانت تجربة رائعة جداً، أيقظت فيني الكثير، قذفت الحجر الصغير في الماء الراكد. وفعلا، أنجزته من البرونز والتسانلستيل. ولا أخفيك في عام «2011» زار فنانون مشاركون في السمبيزيوم تلك الأعمال التي نفذت في العام «2008» ومن بينها كان عمل «حرير الخيل» الذي حظي بإعجاب وإشادة كبيرة من فنانين عالميين وهو أمرٌ أعتز وافتخر فيه.

مجسم «العاديات» من الأعمال المدهشة بلاشك.. لو تحدثني عنه؟

أحمد الله أنه صار الثالث وليس الأول، أي بعد تطور تلا العملين السابقين. وهو عمل مستلهم من الآيات الثلاث ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً * فَالمُورِيَاتِ قَدْحاً * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً وكون العمل بهذه الضخامة «6 أمتار في 4، 5 أمتار» يقف على رجل واحدة فهو يحتاج إلى توازن كبير جداً.

كيف توازن؟

هنا يأتي ما أكدنا عليه وهو تعلم الأساسيات الأكاديمية التي تخدمك فيما بعد. أتذكر بعد انتهاء «العاديات» كان السؤال: وقف العمل؟ وحتى وأنا في الصين جاءتني اتصالات من السعودي تريد التأكد بأن العمل وقف على رجل واحدة. أجبتهم: وقف العمل. وحقا كان مذهلا للجميع، وافتخر بكل تواضع أن الجميع أشاد بمجسم العاديات وأتذكر ماقاله الفنان العراقي المشارك علي نوري، عندنا قال: «وداعتك كل أعمالنا تجارية ما عدا عملك «العاديات» هو الفن للفن».

جميل ولكن لماذا الصين ثلاث مرات وليست أوروبا مثلًا؟

أتصور أن الصين لديهم خطة لأن يكونوا بلد فن. وما رأيته من خلال مشاركة فنانين أوروبيين وآخرين، أنهم انبهروا بحجم الاهتمام بهم واحترامهم وتنفيذ الأعمال. لأن صب البرونز ليس بالصورة التي يتوقعها الناس، إنها تحتاج إلى أموال كثيرة. والصينيون يصبون أعمال من خمس أمتار وما فوق وهذا شيء أبهر فنانة إيطالية تعجبت لأن هذا العمل لو كان سينفذ في إيطاليا لكان كلف مبالغ طائلة جداً.

لقاء الفنان كمال المعلم

وماذا بعد هذا المجسم «العاديات»؟

أتذكر عزيزي أنه عندما عملت تجربة «حرير الخيل» و«عنتر وعبلة» سألني أحد الفنانين في لقاء أقيم في بيتي: ماذا بعد هذين العملين؟. أجبت: القادم أجمل. وحقا جاءت «العاديات». وما بعد العاديات أيضا اقول: القادم أجمل، متمنيا من الله أن يلهمني.

لست مغروراً

البعض يعتقد أنك مغرور.. لا تقترب من الوسط ومبتعد عن المعارض والنشاطات الفنية وظهورك في الصحافة قليل وكذلك تواصلك مع الفنانين.. ما رأيك؟

دعني أعود لبداية عملي في رعاية الشباب والنشاطات الثقافية والمسرحية التي أشرفت عليها وكنت في بداية عملي أسعى لخدمة الحراك التشكيلي والفني وخدمة أخواني الفنانين. بعد هذه الفترة أعتقد من حقي أن أخلو بنفسي وأعمل جاهدا، لأن العمر لم يبق منه قدر الذي مضى وأعتقد أن من يتعامل معي يعرف أنني ابسط البسطاء وأكثر تواضعا من المتواضعين. بل إن تجربة الصين زادتني تواضعاً خاصة عندما يذهب الشخص ويرى كماً هائلاً من الأعمال وكماً كبيراً من البشر الذين يعملون من أجل الفن ويحترمونه وأماكن جداً راقية مخصصة للفن، وهكذا ليس للمرء إلا أن يتواضع ويتنازل عن أشياء كثيرة يعتقد بها وقد تكون خاطئة في السابق. الآن غيرت وجهة نظري والبساطة والتواضع أكثر وخاصة بعد تجربة الصين. أجل، ربما صحيح أن من لا يتعامل معي يعتقد أنني مغرور.

أنت بسيط ومتواضع.. ولكن لماذا لوحاتك باهظة الثمن؟

عندما بدأت العمل الفني لم أفكر أن لوحاتي ستصبح باهظة الثمن أو عكس ذلك. ثق تماماً أني أعمل في عملي بجهد تام وإخلاص ولا يعنيني الوقت عندما أبدأ العمل الفني ولا أفكر أن العمل يباع أو لا يباع، سوى أن بعد انتهاء العمل، من سيقدره سيكون بين يده.

صحيحٌ أنك ترفع أحياناً أسعار اللوحات كي لا تبيعها؟

حدث ذلك، وذات مرة رفعت السعر عاليا ومع ذلك بيعت.

أتذكر قرأت خبراً في التسعينيات أن معرض فرسي وصلت مبيعاته النصف مليون؟

تقريباً بهذه الصورة.

قاسم حداد.. بصرياً

ألاحظ في المرسم، أن ثمة عودة للرسم، عبر هذه الجدارية التي أشاهد، ماذا لو تحدثني عن هذه التجربة القادمة؟

هي امتداد للتجربة السابقة ولكن هنا أضفت الخبز. كانت لدي ثلاث عناصر، الحصان والزخرفة الجبسية وزخرفة «السدو». والآن الخبز الذي أقصد به القمح الذي اقصد به الأرض الذي اقصد بها الوطن. ولدي تجربة مع الشاعر البحريني قاسم حداد عبر قصيدة له أتمنى أن أوفق وأحصل على لحن مناسب لها واقدمها مثل ما قدمت فرسي.

إذن هذه التجربة التي تحضر لها؟

أجل، وهي نصٌ اخترته من قصيدتين للشاعر قاسم حداد وتم تلحينه من أكثر من فنان وإلى الآن لم أصل إلى مبتغاي فيه. الذي تم تلحينه، تلحينٌ تقليدي وأنا أبحث عن رؤية في أبعاد النص.

بهذا هل ستشهد المرحلة القادمة عودة للرسم بعد مجموعة تجارب نحتية؟

لا يمكن لنا أن نفصل النحت عن الرسم ولكن بطبيعة الحال أن مزاجي، الآن مزاجي مثلا في النحت وربما تأتي الفترة القادمة ولا أبحث عن النحت وإنما عن الرسم. وإلى جانب المزاجية، أتصور أن النحت يحتاج جهداً جسدياً أكثر من الرسم وبالتالي بعد أن يصل الإنسان من العمر عتياً، يحاول قدر الإمكان أن يقدم جزءا بسيطاً من الأعمال النحتية، فلربما تضيف لتجربتي.