آخر تحديث: 19 / 2 / 2020م - 1:32 م  بتوقيت مكة المكرمة

مفاهيم حياتية

ياسين آل خليل

لو كان بقدرتك السفر إلى الماضي والتحدث لنفسك عندما كان عمرك لا يتجاوز العشرون ربيعًا، أو بإمكانك أن تقفز عبر الزمن إلى المستقبل وتلتقي بنفسك، لكن هذه المرة عندما ناهز عمرك الثمانون، يا ترى أي من الشخصيتين ستختار لتأخذ منه النصح في أمور تتطلب خبرة حياتية واسعة؟ لا أعتقد أن اتخاذ قرار صائب في هذه الحيثية بالذات، يتطلب وقتًا كثيرًا أو تفكيرًا عميقًا. أبن الثمانون لا شك أنه يتمتع بخبرة ودراية، وأنه ضليع بخبايا الحياة ومفاهيمها.

ما سَأَسْرده في هذه العجالة ومن خلال مقالتي هذه، يُعْتبر مُجّرد تجريف للسطح، إن صح التعبير، لمُخطط كبير من المفاهيم الحياتية التي اكتسبتها على مدى ستين عام ونيف، قضيتها على سطح هذا الكوكب. حياةً هي كغيرها من حياة الناس مُشبعة بالتجارب، مثقلة بالكثير من الدروس والتجارب والإخفاقات، والنجاحات أيضًا.

الناس على اختلاف طباعهم ونفسياتهم، تجد فيهم من يحب أن يُشارك الآخرين تجاربه ليتعلموا منها دون حاجتهم لإعادة صُنع العجل من الصفر، بل تطويره والإضافة إليه حسب ما تقتضيه الحاجة. منهم أيضا آخرون كُثُرٌ، غادروا هذه الدنيا بما تحمله عقولهم من تجارب وخبرات، ودون أن ينتفع منهم أحد، ظنًا منهم أن مشاركتهم الجدبة قد تُنْقص شيئا مما كتب الله لهم أن يجمعوه، من معارف وخبرات وغيرها، وهذا بالطبع هو حال الأنفس. أنفس تبذل كل ما لديها مع شعورها بالتقصير، وأنفس أخرى تبخل بكل شيئ تملكه بما فيها الكلمة الطيبة والعياذ بالله. ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ.

الحياة تتكئ على مجموعة من القواعد الأساسية التي يمكن التعرف عليها لخلق بيئة جديرة بأن تهيئ الأجواء لعيش مُريح ومتوازن. أن تكون لديك معايير ترجع إليها في كل مرة تريد القيام بعمل أو الموافقة على أمر ما يهمك أو يمس جانبًا من حياتك اليومية، هي معايير من الأهمية بمكان، لا يمكنك التغاضي عنها أو العمل بدونها. هل تعلم أن كل شيء موجود في حياتك، هو كذلك لأنك سمحت له بذلك..؟ إذا كنت تريد أن تكون علاقاتك أفضل مع الآخرين، أو أن تطور من ذاتك وتُفَعّل قُدراتك، فعليك أن تلتزم بمستوىً أعلى من المعايير.

أنت لا يمكنك صنع حياة مختلفة لنفسك، إذا كنت تتبع نفس المسار الذي سلكه أسلافك من أقارب ومعارف، أو حتى الناس العاديون من جنسك. تحرر من القيود التي كبّلتَ بها نفسك، من ثم اسلك مسارًا استثنائيا خاصًا بك. ما أن قمت بواجبك بشكل مدروس وضمن خطة متكاملة العناصر والأركان، حتى تبدأ الأشياء تأخذ وضعها السليم والصحيح. عندها فقط، ستكتشف أنك قد أخذت نفسك إلى عوالم جديدة لم تتنبأ في يوم من الأيام أنك ستقترب منها أو تصل إليها.

من الأشياء المضحكة والتي تستدعي التوقف والتأمل، أن معظم الأشياء في حياتنا كانت في يوم من الأيام مجرد رغبات وأمنيات ليس إلا. كنا نعيش حالة من الصراع والضنك والكَدْح المتواصل لنحوّل تلك الرغبات والأحلام إلى واقع. المنزل الذي نعيش فيه اليوم، والسيارة التي نقتنيها، وحتى شريك الحياة الذي كان يراود أحلامنا، جميعها كانت في وقت من الأوقات مُجرد رغبات وأمنيات، قبل أن تتحول إلى واقع ملموس لا جدال عليه. إذن لماذا نحن اليوم عاجزون عن الشكر والامتنان والرضا بعد أن استجاب لنا القدر وتحولت بعض أمانينا إلي حقيقة معاشة لا يمكن لأحد التنكر لها..!

لا يكفي أن تكون لديك الرغبة لتتمكن من تغيير شيء ما في حياتك، كَتَغْيير اختياراتك الحياتية مثلًا، أو بعض معتقداتك الخاطئة، أو طريقتك في التفكير وأدائك للأعمال. صحيح أن وجود الرغبة أمرٌ مطلوب وفي غاية الأهمية، إلا أن الرغبة بدون عمل لا تغير شيئا من واقع الحال.

ربما تتطلب أهدافنا الكثير من طَرْق الأبواب المتواصل، إلا أنه في النهاية نتفاجأ أن تلك الأبواب الموصدة بدأت تتفتح وأن أحلامنا هي الأخرى أخذت طريقها نحو الانفراج واحدة تلو الأخرى بفضل من الله أولًا وبمثابرةٍ منا لا تقبل الركونَ أو التوقف. علينا أن لا نسمح لفكرة من هنا أن تتسلل إلى عقولنا لتثنينا، أو طرف من هناك يُثَبّطنا ويجعلنا نَتَبَاطأ أو نتخلى تمامًا عن وجهتنا التي رسمناها لأنفسنا. هذا غيض من فيض مما تعلمناه من مفاهيم حياتية اكتسبناها عبر مرور الزمن، وللحديث بقية. دمتم سالمين.