آخر تحديث: 31 / 5 / 2020م - 11:53 م  بتوقيت مكة المكرمة

اعتذار

المهندس أمير الصالح *

في مرحلة المراهقة، كم كنت أتفنن للعزوف أو الإعراض عن تناول بعض الأكلات التي تحضرها والدتي، حفظها الله، متذرعا تارة بعدم تقبلي للطبخة لأنها تقليدية «هريسة / عصيدة / ثريد»، وتارة أخرى أعرض عن الأكل بالمنزل لوجود آثار طعم الثوم في الطبخة أو لوجود آثار شحم في مرقة اللحم بالخضار أو لوجود نكهة توابل شبه بارزة أو لأني لا أطيق رائحة السمك أو لأن شكل الربيان مقزز؛ وأأكل تصبيرة من أكياس فش فاش أو بفك أو بسكوت مينو حتى دخول وقت المغرب؛ أهرع حينذاك بتناول ساندويتش شاورما مع بعض الأصدقاء وعلى غفلة من والداي في المطعم اللبناني المميز المتواجد على بعد شارعين من منزل أهلي أو تناول ساندويتش فلافل. يحدث ذلك الحدث بمعدل مرة واحدة في الشهر أي أن أأكل من خارج المنزل.

لم اعر انتباه لحجم الجهد الذي يبذله والدي العزيز لجلب أموال الايدامات اليومية التي يمونها للبيت، ولم ألتفت لحجم الجهد الذي تبذله والدتي لتحضير كبسة الرز باللحم أو كبسة السمك. وكل همي هو إشباع ذائقتي وإرضاء مزاجي في الأكل وعدم مراعاة شعور وجهود والداي.

كان بعض أخواني يستاء من مزاجي في ميلي الانتقائي في الأكل ويعبرون عن تململهم من مزاجي مع أن بعضهم لديه تفضيلات في الأطعمة. وكانت بالنسبة لي كبسة الدجاج عند إعدادها في منزلنا وجبة مبهجة بالنسبة لي ولحظات تعيسة لبعض أخواني ممن لا يحب أكل الدجاج. كافحت والدتي جزاها الله خيرا لجميل صنيعها فينا وامتداد جميل طبخها لعمل توازن في إرضاء الاذواق المختلفة لي ولأخواني.

كبرت و تعينت وظيفيا في مدينة أخرى وكونت أسرة؛ ورزقني الله من فضله أربع أبناء. وكل منهم له ذوق في الأكل مختلف عن إخوته ولامست بعين البصيرة والمسؤولية ما تعانيه زوجتي في إعداد عدة أطباق في ذات وقت الوجبة الواحدة للتأكد من أن كل فرد من أفراد الاسرة تناول وجبته. فضلا بأن كل منهم يطلب وجبة العشاء من مطعم بمعدل 4 أيام في الاسبوع.

يومذاك اتصلت هاتفيا بأمي وكنت احتبس اعتذاري بين شفتاي ولم أصرح به ولسان حالي ”أعتذر لك يا أمي ويا أبي لما سببت لكما من متاعب في سبيل إشباعكم إياي لمعدتي“. وفور أن تكلمت والدتي في الهاتف، بادرتها: أمي، اشتقت لك ولكل طبخاتك وأبشرك الآن عندي استعداد ان آكل هريس وجريش وكراعين ومرق لحم بالشحم. فقالت وهي مستبشره: ماذا حل بك. قلت لها: علمني الزمان وأراني ولو بعد حين بأنني من المفترض أحب أكل بيتنا بكل ما فيه. أمي لا أخفيك إنه يعتصر قلبي عندما أشاهد كمية الأكل المحشو في الثلاجة وأدراج المطبخ وفي نفس الوقت يتسلل بعض أبنائي لجلب وجبته كالهمبرغر أو الشاورما من مطعم مجاور أو عن طريق تطبيق كاريج أو هنجرستيشن.

فقالت لي والدتي: ﴿لقد كان في يوسف وأخوته آيات للسائلين. اعتذاري هذا دونته هنا وهناك حتى يستفيد من يود الاستفادة ولعل من يقرأ هذا المقال قد يبادر في الاعتذار لوالديه ولو في أقل الأمور و لعل أبناء الجيل الحاضر يستفيد من هكذا اعتذار.

ملحوظة: عمدا تجنبت إيراد أي اخبار عن حجم التلوث في أطعمة المطاعم أو سوء النظافة للعمال والمستودعات وفساد اللحوم وسوء تخزين الأغذية بالمطاعم وصعود نسبة إمكانية الإصابة بأمراض معديةكالإسهال نتيجة تلكم العوارض لكي لا يحتج بعض القراء على المقال ولكي يراجع المنصف لنفسه في تعاطيه بجدية واحترام لمطبخ والدته.