آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 2:04 ص

الأساليب اللغوية في وصية النَّبي «صَلَّى اللهُ عليه وآله» لأبي ذر الغفاري - الجزء الأول

الشيخ سمير آل ربح

أقوال النَّبي ﷺ هي جزء من سنته، فقد عرَّف علماء أصول الفقه والحديث على حدٍّ سواء، السُّنة بأنها ”قول النَّبي وفعله وتقريره“، وتنوعت هذه الأقوال لتشمل: الأقوال المختصرة، الإجابة عن السؤال، الخُطَب، الرسائل، والوصايا.

ونتوقف في هذه المقالة عند وصاياه، متخذين وصيته لأبي ذر الغفاري أنموذجًا للحديث عن الأساليب اللغوية فيها.

جو الوصية

عن وهب بن عبد الله الهناء، قال حدثني أبو حرب بن أبي الأسود الدؤلي، عن أبي الأسود قال: قدمت الرَّبذة، فدخلت على أبي ذر جندب بن جنادة فحدثني أبو ذر قال: دخلت ذات يوم في صدر نهاره على رسول الله ﷺ في مسجده فلم أرَ في المسجد أحدًا من الناس إِلَّا رسولَ الله ﷺ، وعليٌّ إلى جانبه جالسٌ؛ فاغتنمتُ خلوةَ المسجد فقلت: يا رسولَ الله بأبي أنت وأمي أوصني بوصية ينفعني الله بها؟ فقال: نعم، وأكرمْ بك يا أبا ذر، إنك منا أهل البيت، وإني موصيك بوصية فاحفظها، فإنها جامعة لطرق الخير وسبله، فإنك إِنْ حفظتها كان لك بها كِفلان. - مكارم الأخلاق، الطبرسي، ص 458.

تعريف الوصية

الوصية مشتقة من وَصى يَصِي، وهو الوَصل، قال الشَّاعر ذو الرمة:

نَصي اللَّيلَ بالأيامِ حتى صَلاتُنا

مقاسمةٌ يشتق أَنَصافها السَّفَرُ

ومعناه: نصل الليل بالنهار في قطع المسافات، فأصبحت صلاتنا في أسفارنا ركعتين اثنتين بدلًا من أربع ركعات.

وعليه، فإن الوصية فيها معنى الاتِّصال والتَّواصل والاستمرار بين الموصي والموصى له، سواء أكان حاضرًا أم غائبًا عنه بعيدًا عن أنظاره ولو كان بموت.

وذهب ابن إدريس في السرائر إلى أن أصل المعنى هو العهد.

قال الطبيب الذي كان يعالج أمير المؤمنين : ”قال: يا أميرَ المؤمنين اعهدْ عهدَك؛ فإن عدو الله قد وصلت ضربته إلى أم رأسك“. - الأنوار البهية، عباس القمي، ص 78.

من موضوعات وصية النَّبي ﷺ لأبي ذر

تناولت الوصية موضوعات متعددة منها:

1 - المعرفة، وهي التي تولِّد الخشية ”أول عبادة الله المعرفة به...“.

2 - الإقرار بالنُّبوة: ”والإقرار بأن اللهَ عزَّ وجلَّ أرسلني إلى كافةِ الناسِ بشيرًا ونذيرًا...“

3 - أهل البيت كسفينة النجاة في قوم نوح.

4 - أهمية العمر: ”اغتنم خمسًا قبل خمس...“ / ”كُنْ عَلى عُمرك أشحَّ منك على درهمِكَ“.

5 - التَّحذير من المماطلة والتسويف: ”إِيَّاكَ والتسويف بأملِك، فإِنَّكَ بيومِك ولستَ بما بعده، فإن يَكُ غدٌ لك تكون في الغد كما كنت في اليوم، وإن لم يكُ غدٌ لك لم تندمْ على ما فرَّطت في اليوم“.

”يا أبا ذر، كُنْ في الدُّنيا كأنَّكَ غريبٌ، أو عابرُ سبيل، وعُدْ نفسَك من أصحابِ القبور“.

6 - عن العلماء: نشر علمهم، وعدم طلب الوجاهة بالعلم، والوقوف عند ما لا تعرف، والعمل بما تعلم: ”إِنَّ شرَّ النَّاسِ عندَ اللهِ «جَلَّ ثناؤه» عالمٌ لا يُنتفع بعلمه، ومَن طَلب علمًا ليَصرف وجوهَ الناس إليه لم يجدْ ريحَ الجنة!“ / ”إذا سُئِلتَ عن علمٍ لا تَعْلَمُهُ فَقُلْ: لَا أَعْلَمُ تَنْجُ من تبعتِهِ...“.

7 - حقوق الله: ”إن حقوقَ اللهِ أعظمُ من أَنْ يقومَ بها العِبادُ، وإن نِعم اللهِ عزَّ وجلَّ أكثرُ من أن يحصيَها العبادُ، لكن أمسوا تائبين، وأصبحوا يائسين“.

8 - مكانة المتقين والفقهاء: ”المتقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة“.

9 - ذنب المؤمن وذنب الكافر.. صورتان متقابلتان:

”يا أبا ذر، إن المؤمن ليرى ذنبه كأنه صخرة يخاف أن تقع عليه، والكافر يرى ذنبه كأنه ذُبَابٌ مَرَّ على أنفه“.

ومن آثار الذنوب الحرمان من الرزق: ”يا أبا ذر، إن العبد ليحرم الرزق بالذنب، يصيبه“.

10 - اللِّسان: ”يا أبا ذر، لا تَنطقْ فيما لا يَعنيك، فإنك لستَ منه في شيء، واخزن لِسَانَك كما تخزن رزقك“.

11 - الصَّلاة: ”يا أبا ذر، إن الله جعل قُرَّةَ عَيني الصَّلاة...“.

”يا أبا ذر، أيما رجل تطوَّع كل يوم باثنتي عشرة ركعةً سوى المكتوبة، كان له حقٌ واجبٌ بيت في الجنة“.

12 - الدُّنيا: ”يا أبا ذر، الدُّنيا سجنُ المؤمن وجنةُ الكافر...“.

13 - قسوة القلب: ”يا أبا ذر، إن القلبَ القَاسي بعيدٌ عن اللهِ، ولكن لا تشعرون“.

الأساليب اللغوية في الوصية

اللُّغة أداة أساس لإيصال المعنى إلى المخاطب، بالإضافة إلى لُغة الجسد، ونحن الدارسين للنصوص الشرعية نتعامل مع النص بوصفة لُغة، وتغيب عنَّا في أكثر الأحيان لغة الجسد، وفي حالات قليلة/ نادرة تصلنا هذه اللُّغة، نحو قوله ﷺ: ”أنا وكافلُ اليتيم في الجنةِ هكذا - وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما“. ﴿ميزان الحكمة، الريشهري 4/ 3708.

وتنوعت الأساليب اللغوية الواردة في هذه الوصية المباركة لتشمل:

أولًا: أسلوب النداء

ابتدأت الوصية بأسلوب النداء: ”يا أبا ذر“، وأداة النداء ”يا“، وهي مشتركة لنداء القريب والبعيد، وهي الأكثر استعمالًا في كلام العرب، في حين أن أداة النداء الهمزة ”أَ“ خاصة بنداء القريب و”أَيَا“ و”هَيَا“ خاصتان بنداء البعيد، وتكرر هذا النداء بداية كل وصية، وقد بلغت عدد مرات النداء فيها 63 نداءً، وغرضه لفت الانتباه، فإن من عادة الإنسان السهو والغفلة خصوصًا في الخطابات الطويلة؛ لذا يتكرر في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة هذا الأسلوب، سواء أكان النداء عامًّا نحو: يا أيُّها الناس/ يا أيُّها الذين آمنوا، أو خاصًّا نحو: يا علي/ يا بن مسعود/ يا كميل/ يا بني... وهكذا.

ثانيًا: أسلوب الأمر

الأمر هو طلب الإتيان بشيء، سواء أكان قولًا أم فعلًا.

جاءت الأوامر في الوصية بصيغة فعل الأمر: اعبدِ الله/احفظ عني ما أوصيك به/ اغتنم خمسًا قبل خمس/ اذكر الله ذكرًا خالصًا/ كُنْ في الدُّنيا كأنك غريب/ كُنْ على عمرك أشحَّ منك على درهمك ودينارك.

وغرض هذه الأوامر في مجملها الإرشاد والتوجيه والنصيحة، وتتضمن الوجوب الشرعي، أو الاستحباب في الحد الأدنى، ف ”اعبد الله“ أصل العبادة واجب، و”كأنك تراه“ مستحب؛ لأنه درجة عالية من درجات الامتثال للأمر، ومثله قوله: ”اذكر الله“، أصل الذكر واجب، قال تعالى: ”وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي“ - طه: 14، لكن ”اذكر الله ذكرًا خالصًا، قلت: يا رسول الله، وما الذكر الخالص؟ قال: الذكر الخفي“، فإن هذه المرتبة العالية من الذكر هي مستحبة، وليست بواجبة.

والملاحظ أن الأوامر في الوصية بصيغة فعل الأمر جاءت قليلة، وأكثر ما فيها جاء بصيغ أخرى يُفهم منها الأمر بطريقة غير مباشرة، وهذا من الأدب النبوي في أعلى درجاته، فإذا قال ﷺ: ”الصَّلاةُ عِمادُ الدِّين“، فهذه جملة مُثبتة تتضمن أمرًا «غير مباشر» بالعناية بالصَّلاة وبشرائطها وحدودها، وقوله: ”إن الله جعل أهل بيتي كسفينة النجاة في قوم نوح؛ من ركبها نجا ومن رغب عنها غرق“، فهذه جملة شرطية تضمنت معنى الأمر بالركوب في سفينة أهل البيت .

ولم يأتِ الأمر المباشر في الوصية إلا بفعل الأمر، أما الصيغ الأخرى: المضارع المقترن بلام الأمر، واسم فعل الأمر، فلم يكن لهما حضور فيها.

ثالثًا: أسلوب النهي

النهي هو طلب الترك، وقد جاءت النواهي في الوصية بثلاثة أساليب:

أ - لا الناهية الجازمة الداخلة على الفعل المضارع: ”إذا أصبحتَ فلا تحدث نفسك بالمساء وإذا أمسيتَ فلا تحدث نفسك بالصباح“؛ جاعلًا الأجل بين عينيك، وهو من أفضل الطرق لبناء الذات والسير بها على الطريق القويم.

ب - بالفعل المضارع ”أَنهى“، نحو قوله: ”أَنهاك عن الهجران“، فإن دلالة ”أنهى“ لا تقل عن دلالة ”لا“ الناهية: لا تَهجرْ، بل في ”أَنهاكَ“ نوع لطف وعناية منه ﷺ لأبي ذر، إذ خصَّه بالنهي.

ج - وقد يأتي النهي بأسلوب التحذير:

”إِيَّاكَ والتسويف بأملك“.

”إِيَّاكَ أن تركك الصرعة عند العثرة“.

و”إيَّاك“ من ضمائر النصب، للمخاطَب، قد يأتي لمجرد المخاطبة نحو قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ: - الفاتحة: 4، وقد يأتي للتحذير، كما في قوله ﷺ الآنف الذكر، ففي النص الأول تحذير من التسويف، ونهي عنه، وفي النص الآخر تحذير من مباغتة الموت حال الذنب، فهو يتضمن نهيًّا عن الغفلة.