آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 9:21 م

أحسن مثواي..!

الدكتور محمد المسعود

عشرون حولا فاصلة بين «أكرمي مثواه» وبين «إنه ربي أحسن مثواي» الدلالة البلاغية وسياق النص تٌرجح المعنى المتجه إلى عزيز مصر والرب هنا هو المربي والمالك كرب البيت، ورب المال فهو يشير إلى كونه سيده ومربيه المحسن إليه.

قبل التحليل للوقائع والرواية التاريخية يجيب أن لا ندعي كرما لم نرتفع إلى القدرة عليه، ولا نتعجل وصف أنفسنا بعفة لم تبتل بغواية حاضرة، فما أكثر العفة المتولدة من العجز، وما أكثر طهر اليد وطهر الجسد القادم من الحرمان من غيره، ولو دنى لنال، ولو أقترب لأغترف بمقدار ضعفه، وقلة صبره ورقة يقينه، فعند أبتلاء النهر شربوا جميعا واغترفوا جميعا إلا قليلا مانع نفسه حتى أجتازه وعبر منتصرا عليه وعلى نفسه.

أول الأمر يفيض اللسان بأحمال القلب، وها يوسف يحمل في قلبه «إحسان الآخرين إليه» من عشرين سنة..! أمر بأن يكرم في محل إقامته وأن يٌنعم عليه. مؤملا فيه الخير «عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا». ورغم أن الاحسان إليه لم يكن مجردا من المصلحة الذاتية للمحسن إليه يوسف وإنه ساق أسبابه الظاهرة في نفعه هو الإنتفاع منه، وتعويض العقم به، إلا أنه حمل في قلبه هذا الإحسان إليه، والعطية له، ولسنا نحكم بشيء لا نستيقنه بوصف إحسان العزيز بإحسان مصلحة محضة له، بل هو صريح إقراره وظاهر كلماته التي نقلها الله عنه عسى أن ينفعنا، عطيته بترجي النفع.

وهذا أمر نتعجل المرور عليه، حين نلتقي بغواية زليخا وهي باذخة العطية له، باسطة يد النعيم عليه، من امرأة قد سكبت روحها فيه شغفا ورغبة وعشقا مستبدا، وهو على نيله قادر، وعلى الفرار من عقوبته مقتدرا، وله منها نصيبا من شهوة جسد. وقد جعلت الملكة سترا لفعله إن فعل لا نفاذ له لأحد، باذلة له رغائب نفسه فيما تشتهي، مجزلة له العطية في فيما يرغب.

لا أحد منا يأتمن نفسه على هذه الطرق على أسرارها، لا أحد منا بقادر على ودائعها وأحمالها، ولا أحد منا يحتكم على بقية من يقين في نفسه على مثل هذا أو بعضه.

يلوذ يوسف بمعروف مصلحة، ونفع قريب لا يستره صاحبه ويجعل له حرمة من يرتضي سجنا مهينا لا جل لا يعلم منتهاه ولا يعلم أمد الخلاص منه.

إن ذكر الله تعالى للسبب القريب في قلب يوسف.. يجعلنا نشعر بالخجل العظيم من «أنفسنا». - أحسن مثواي - المدلول ذات مستوى واحد، نحن ننسى كل يوم نعمة المنعمين علينا..!

وأنا وأنت لا نتذكر من بذل لنا، ومن أعطانا، ومن أحسن إلينا بالأمس القريب، كأننا - نكتب إحسانهم لنا على الماء - وإن كانت تلك العطية لنا صدق محبة وإخلاص محض لها..!

وربما حملها المحسن إليك ضعفا، وربما أثقلته بثقلها، وربما أجهده حملها وهو لا مطمع له فيها، غير رضاك عنه وقربك منه وحبك إليه..!. هذا الصدق الذي لا مطمع بعده ولا رجاء لشيء غيره.

قلوبنا فراغ لا نفاذ له!

وحين تأتي - أحسن مثواي - هذه يتمنى كل واحد منا لو كان غير نفسه! لأنها تثير المشاعر بتقصيرنا غير اللائق بشكر المنعمين علينا، والمحسينين لنا، كل منا لم يحملهم في قلبه، لم يرتل أسماءهم وفضلهم السابغ على الناس، ولم يرفع لهم ذكرا، ولم يخصهم بضراعة صادقة في مضان الإجابة، ولم يذخر لهم مكافأة تليق بكرمهم علينا، حين ألم بنا ضعف وأحاط بنا عجز.

تتكاشف كلمة - أحسن مثواي - في تفاصيلها يرتجف بها القلب أن لا تنسى إحسان المحسن إليك طيلة عمرك، وأن تكن وفيا لهذا الإحسان الذي يستعبدك أمد الدهر حتى تعتق نفسك بمكافأته التي تليق بك.