آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 1:55 م

بوليفارد الرياض.. مختبر التغيير المجتمعي

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

رفقة الصديقين مصطفى فحص ومالك عبيد، ركبنا التاكسي، واتجهنا صوب البوليفارد، في العاصمة السعودية الرياض.. كنت أتوقع أنه مجرد شارع، تتراص المقاهي على جانبيه، وتتجاور المطاعم، حيث يجلس الناس ليتبادلوا الحديث والابتسامات!

ما إن دخنا هناك، حتى تفاجأت شخصياً بمستوى الإنجاز، وأنا الصحافي المتابع، المعجون بالأخبار والتقارير والمقالات بشكل يومي.

كان المشهد مختلفاً تماماً عن الصورة التي كانت مرسومة في داخلي. فإذا أنا أمام مشهد يسبق ما كنت أتوقع، وانفتاح اجتماعي أكبر بكثير مما ظننت أن السعوديين قادرون على اجتراحه.

في جميع الليالي التي زرت فيها البوليفارد، كانت الأناقة سيدة المشهد. شباب وفتيات وعائلات، يرتسم على وجوههم الفرح. تشعر أنهم هنا بخيارهم الشخصي، يمارسون حريتهم في العيش بشكل طبيعي، دون أي إكراهات أو وصايات من أحد. فإن يكون الفرد حراً، فذلك حق طبيعي، يجدر به أن يمتلكه ولا ينازعه عليه أياً كان، تحت أي ذريعة كانت، طالما الجميع يمارسون هذا الحق تحت سقف القانون، ومظلة الدولة.

جلسنا في مقهى.. شعرت وكأنني وسط بيروت، العام 2004، قبيل اغتيال رفيق الحريري، حين كانت بيروت نابضة بالحياة والحركة والسياح.

الأهم في كل ذلك المشهد، أن الشعب الذي قال عنه كثيرون إنه غير مؤهل، وإن عمليات انفلات عديدة، ومشكلات اجتماعية، واعتداءات ستتم على أساس الجندر، كلها كانت مخاوف مبالغاً بها، وغير واقعية. بل، كان الأمر خلاف ذلك. فالتنظيم في غالبية ما رأيت، كان بيد الفتيات والشبان السعوديين، ليس انحيازاً لهم ضد الآخرين، أو تقليلاً من قيمة الجنسيات الأخرى التي لها كل الاحترام، والتي شاركت بفاعلية في نجاح موسم الرياض، وإنما وجود السعوديين من فئات عمرية وبيئات مختلفة، دليل مقدرتهم على أن يكون لهم دور في الإصلاح والتغيير المجتمعي، وأن يساهموا بفعالية في بناء دولة مدنية حديثة، وأنهم إذا ما أتيحت لهم الفرصة، سيتشجعون أكثر وأكثر على الانخراط في الشأن العام، والعمل التطوعي، والمؤسسات الأهلية.

إن ما يجري في موسم الرياض، ليس مجرد إتاحة مساحة واسعة للبهجة والمتعة والترويح عن النفس. وإنما تغيير ثقافي واجتماعي يتم بأدوات غير تقليدية، وبوتيرة سريعة، ستربك البعض، وتسعد آخرين، ويمتعض منها فريق ثالث. وهي مواقف طبيعية جداً، تجاه أي فعل تغييري حديث، ويجب ألا يكون ذلك باعثاً على إقصاء رأي، أو فرض فكرة بعينها. وإنما منح مساحة واسعة من الخيارات، التي للمجتمع تمام الأحقية في الانخراط فيها أو الابتعاد عنها.

التغيير مهمة حتمية، لكي نردم الهوة بيننا وبين المدنية، ونستطيع أن نتحول إلى مجتمع يؤمن بالتعددية والحرية الفكرية والمجتمعية. والترفيه هو إحدى بوابات التغيير الرئيسة التي تعمل على إحداث أثر بعيد المدى، يروض النفوس ببطء، ويمنحها حياة كانت تتوجس منها في ما مضى!