آخر تحديث: 4 / 6 / 2020م - 2:59 م  بتوقيت مكة المكرمة

حول الشأن الثقافي في الخليج العربي

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

الحديث عن الشأن الثقافي في الخليج العربي ذو شجون. فهذه المنطقة، عرفت منذ آلاف السنين، أعرق الحضارات. ومن مكة انطلقت الرسالة السمحة، مبشرة بالمساواة، بين الناس، حيث الأكرم عند الله هو الأتقى، ولتسهم بشكل غير مسبوق في تعريب المنطقة الممتدة من الخليج العربي شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً. وقبل الإسلام شهدت الأسواق الخليجية نشاطاً وحيوية، امتدت طرقها من شمال الخليج حتى أرض اليمن جنوباً ومن أرض اليمن إلى مكة متجهة نحو بلاد الشام.

في الشأن الأدبي، عرفت جزيرة العرب المعلقات المذهبة، وعدداً كبيراً من الخطباء والحكماء. وبعد الإسلام، نشطت الحركة الأدبية والثقافية، بالعصرين الأموي والعباسي، وبرزت مذاهب أدبية وفكرية، لا تزال أفكارها محط اهتمام الباحثين والدراسين حتى يومنا هذا. وقد تلاحقت وتفاعلت أنشطتها مع الأنشطة الفكرية السائدة في حينه ببقية مناطق الخلافة العربية الإسلامية. واستمر هذا التفاعل، حتى يومنا هذا.

ومن هنا تتأتى استحالة الحديث عن حالة فكرية خليجية، مستقلة تماماً، لكونها جزءاً من حالة السائدة بالبلدان العربية. فالتأثير والتأثر بين بلدان الخليج، وعواصم النهضة، في القاهرة وبغداد ودمشق وبيروت، لم يكن ناتج ارتباط في الجغرافيا والتاريخ فقط، لقد كان هذا التفاعل نتاج واقع موضوعي، فرضته الطريقة التي تشكلت فيها الحركة الفكرية الخليجية، والتي اتخذت في التاريخ المعاصر شكل التأثر بالفكر العربي الوافد، وليس التأثير فيه.

فالمعاهد العلمية والجامعات لم تكن متواجدة بمعظم بلدان الخليج، حتى النصف الثاني من القرن المنصرم. والتطور في مجال الثقافة بهذه البلدان، ارتبط باستخراج النفط، واستثمار ريعه في خدمة التنمية بكافة المجالات.

والذين نبغوا في مجال الفكر من هذه البلدان، هم في الأغلب أفراد من عوائل ميسورة، درسوا في الجامعات العربية، وتأثروا بالتيارات الفكرية السائدة في تلك البلدان، وعادوا لأوطانهم، حاملين معهم الأفكار التي تأثروا بها.

يضاف إلى ذلك، أنه حين فتحت المعاهد والجامعات، وحتى المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية، كان معظم المدرسين بها، من الأشقاء العرب. وكان لذلك تأثيره المباشر في التربية، وشكل تطور الشأن الثقافي.

كانت فترة الخمسينات والستينات، حقبة تدافع وكفاح للتحرر من الاحتلال الأجنبي، وخلالها شهد العالم بأسره، انتقالاً كبيراً في الشأن الثقافي، نتج عن الثورات الصناعية والعلمية المتتالية. وطبيعي أن تعبر تلك التحولات عن ذاتها، في صيغة مناهج وأفكار، كالحداثة وما بعدها، والوجودية، وغيرها من النظريات، التي سادت في حينه.

في معمعة هذه التطورات، كان الفكر لا يزال يحبو في البلدان الخليجية، ويشهد مرحلته التأسيسية. ولم يكن بإمكانه، في ظل تلك الظروف، أن يكون مستقلاً. وقد شكلت مرحلة السبعينات من القرن الماضي، محطة انتقال في مجال تطور واستقلال الفكر في هذه البلدان. فهذه المرحلة شهدت تراجعاً للأفكار والمبادئ التي سادت في الشارع العربي، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي تمثلت في شعارات الحرية والاستقلال وتحرير فلسطين والوحدة العربية، والعدل الاجتماعي.

وكانت النتائج الكارثية لحرب يونيو /‏ حزيران 1967م، قد شهدت تراجعاً واضحاً في طرح تلك الشعارات، صاحبه تراجع في دور مراكز النهضة العربية، في بلاد الشام والعراق ومصر، واتهام صريح لأنظمة المواجهة مع «إسرائيل» بالعجز عن إدارة الصراع.

وقد وفرت نتائج حرب أكتوبر/‏تشرين الأول 1973م، أرضية جيدة في الخليج لفطام الفكر عن منابعه، والعناصر التي أثرت فيه. فتلك الحرب غيرت جذرياً من طبيعة الصراع مع الكيان الصهيوني، من صراع وجود إلى كفاح سياسي للبلدان التي تعرضت لعدوان يونيو لإزالة آثاره، باسترجاع ما فقدته من الأراضي في حرب يونيو. وبذلك تحول الصراع، من صراع وجود إلى صراع على الحدود.

الأمر الآخر، أن إحدى نتائج معركة العبور هو انطلاق الطفرة النفطية الأولى، التي نتجت عن حظر تصدير النفط العربي، أثناء الحرب، إلى الدول التي ساندت العدوان. أدت تلك الطفرة، إلى حدوث تحولات هيكلية واقتصادية واجتماعية، بالبلدان النفطية، جعلت المفاضلة بين نظمها السياسية، والنظم التي تدير مراكز النهضة، لمصلحة الدول النفطية. وقد عزز ذلك من حالة الفطام، التي أشرنا إليها، وأسهم في نشوء حركة أدبية، باتت تتجه رويداً رويداً إلى استقلال أكبر عن محيطها العربي، الذي كانت متأثرة به لعقود طويلة.