آخر تحديث: 11 / 7 / 2020م - 12:50 ص  بتوقيت مكة المكرمة

احچايات الجدات في زمن الطيبين

عباس سالم

لم تكن الجدة في الزمن الجميل مجرد امرأة مسنة وذات خبرة في التربية، بل كانت تقريباً مؤسسة تربوية واجتماعية قائمة بالذات، فهي مربية ومعلمة ومسلية ومساعدة اجتماعية للأسرة تساعدها على تجاوز الكثير من الشقاق والمشاكل.

عندما نفتقد تلك الأصوات المنبعثة من الماضي الجميل بكلمات في طعم الحليب الدافئ السائل على فم الرضيع، وعندما نفتقد تلك الحچايات التي بطعم أول شعاع ضوء الفجر المتسلل عبر العتمة، حيث تأهل الأحلام وتمارس حقها في السكن الجميل داخل المخيلة المتيقظة في عز النوم، من لا يحس بالحاجة الى تنفس رائحة التراب في البساتين والحقول المغمورة بالندى صبيحة كل يوم، وبشعر السنابل عبر لغة الحچاية التي تأتي بها الجدات.

المخزون الذي تحتفظ به الجدات من الحچايات والألغاز والأمثال والحكم وحتى وصفات الطب الشعبي، وتمهر في فن جلب النوم للصغار بواسطة الكلام الممتع والمفيد عن طريق «لحچايات» والقدرة على التعبير عن الحياة، وفي صوتها تجد نبرات وتموجات تتكلم عن النخل والبستان وعن العيون والبحر والسهول الممتدة إلى السماء، وهي المساعدة على تأمين حق الحلم لدى الأطفال في الوفرة والامتلاء، ومساعدتهم في رسم الاعتماد على تحقيق التوازن النفسي بين الخوف والشجاعة وبين الرغبة والواقع.

تحت أضواء الفوانيس الخافتة حيث لا يوجد كهرباء في ذلك الزمن كم نام على ركبتيها من أطفال بين أغطية الكنابل التي تحميهم من البرد القارص، وحتى من جوعهم حيث أشبعهم السرد لحد تخمة الخيال، فاستسلموا الى النوم بصوت الحچاية الآتية من بعيد من زمن الكان يما كان في ذاك الزمان، زمن الطيبة والجمال زمن الليالي الجميلة التي كانت تهب فيها النسمات الباردة ونغط في النوم على السطح إلى أن يوقظنا الديك بصيحته الجميلة وتحرقنا الشمس بحرارتها.

من حچايات الجدات في سرد الأمثال والقصص لجلب النوم للأطفال حچاية: ”هَوا يا وليدي نام عن الچلب والعوى... ويا غناتي هالولد يكبر ويخدم هالبلد... ويا غناتي هالبنية تكبر وتصير أمرَيَّا“ وفي خاتمة الحكاية يهيئنَ وسادة للنوم توضع تحت رؤوس الأطفال دون أن يشعروا بذلك، والجدة تختم حكايتها بوضع الطفل في «المنز» وهو مكان منام الطفل المصنوع من سعف النخلة «الجريد».

تحلو قصص الجدات في مثل هذه الأيام أيام الشتاء وخصوصا عندما يكون الجو غائماً أو ماطراً، حيث المكوث الاضطراري في المنازل بسبب البرد القارس والأمطار، والطريف في الأمر أنه مقابل الاستماع لهذه القصص، يتوجب علينا جلب حطب التدفئة من البساتين المجاورة وهو عبارة عن كرب النخل مع بعض القطع لجذع النخلة «السجين» ومن ثم إشعال النار في المنقلة والتحلق حولها، وبصوتها الشجي تقول: ”تحموا يا أولادي وباچر حطبوا... أمكم اضبيعة وأبوكم شايبوا“.

أصبحت الجدات الآن مجرد ذكرى، ولم يبق من تجاعيدهن الجميلة التي حاكتها الطبيعة وتجربة السنين القاسية ولم يفكرن في إزالتها يوما، ولا من أصواتهن الجميلة والمليئة بالحنين شيئا إلا اللمام، وبعضهن أصبحن يغالبن تغيرات الزمان بدون رعاية صحية أو اجتماعية شاملة، وغالبا ما يكن بأمس الحاجة بعد تراخي الروابط الأسرية، وقد يرحلون إلى دار الرعاية الاجتماعية لقضاء ما تبقى من أعمارهن تحت رحمة الأيدي الأجنبية وبعيداً عن الأيدي التي علمتها كيف تأكل وكيف تشرب ومتى تنام..!!

إن عصر الجدات الحنونات وأصواتهن الدافئة قد انتهى اليوم! ليحل مكانه صوت المادة والأنفس المريضة التي أدت إلى تفكك الأسر وتفضيل العيش الفردي على العيش الجماعي في المنازل، وتعويض الأطفال بالحيوانات الأليفة كالقطط والكلاب والسلاحف..!! فما زالت الحاجة الى الجدات أمراً مهماً، وربما ستصير أكثر إلحاحا صورة الجدة كمرأة طيبة تحنو على الأطفال وتقدم لهم شهد الكلام وتغرق مخيلتهم في جمالية السرد والتخييل والإنشاد الجميل.

وفي الختام انتهى زمن احچايات الجدات وأنه لا وقت الآن للحچاية فهي لا تساعد على التقدم كما يدعي البعض، فقد التهمتها الوسائل العصرية، وأن زمن النوم في أحضان الجدات قد ﻭلّى وحل مكانه زمن النوم في أحضان الحيوانات كالقطط والكلاب وغيرها..!!