آخر تحديث: 4 / 6 / 2020م - 2:07 م  بتوقيت مكة المكرمة

ماذا تبقى من الثوابت الفلسطينية؟

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

مرة أخرى أعيد الحديث عن مشروع صفقة القرن، من قبل الإدارة الأمريكية. وفي تصريح للرئيس ترامب أعلن أنه أبلغ الرئيس أبو مازن بمضمون هذا المشروع، لكن السلطة الفلسطينية نفت ذلك بشكل قاطع، وأكدت رفضها المطلق للصفقة. فيما صرح مسؤول فلسطيني بأن سعي نتنياهو إلى ضم أجزاء من الضفة إلى دولة الكيان الغاصب، هو خط أحمر لن يقبل به الفلسطينيون أبداً، وأن ذلك سيجر إلى إلغاء التنسيق الأمني ويضع اتفاقية أوسلو تحت المحك.

لن نتعرض في هذا الحديث لصفقة القرن وأخواتها، فموقفنا واضح من مخاطر هذه الصفقات على القضية الفلسطينية برمتها. وقد رأينا بأم أعيننا أن كل تنازل نقدمه للعدو، يستلزم تقديم تنازلات أخرى، وأن مسلسل التنازلات العربية لصالح الصهاينة، بدأ بعد حرب يونيو/‏حزيران 1967 مباشرة، وتواصل في محطات تصاعدية تقضم مزيداً من الثوابت والمصالح الفلسطينية حتى بدا الآن أن ليس بحيازة الفلسطينيين من الأوراق ما يمكنهم من التفاوض مع العدو، بالحد الأدنى من أوراق القوة.

انطلقت حركة فتح في نهاية الخمسينات من القرن الماضي، والضفة الغربية والقدس الشرقية، كانا جزءاً من الأراضي الأردنية، وكان قطاع غزة تحت إدارة مصرية، وحين تم إقرار الميثاق الوطني الفلسطيني في الدورة الأولى للمجلس الوطني، ركز على تحرير الجزء المحتل من فلسطين آنذاك، بمعنى الأراضي التي احتلت عام 1948 من قبل الصهاينة، لكن هزيمة 1967، غيرت بوصلة الحراك السياسي الفلسطيني بالجملة والتفصيل.

ففي أول لقاء لياسر عرفات بالرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر عام 1968، وفقاً للكاتب الشهير محمد حسين هيكل، تعهد بأن تكتفي حركة فتح في عملياتها المسلحة بالضفة الغربية وقطاع غزة، لكي تنال التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية. وكان ذلك اتساقاً مع قرارات قمة الخرطوم التي ركزت على إزالة آثار العدوان، لكنه في الوقت ذاته خروج على الميثاق الوطني الفلسطيني الذي أشار بشكل واضح، إلى أن الهدف هو تحرير فلسطين من النهر إلى البحر.

إثر توقف مدافع معركة العبور عام 1973، استدعى الرئيس المصري أنور السادات، وفداً من منظمة التحرير الفلسطينية إلى القاهرة برئاسة رئيس الدائرة السياسية فاروق قدومي، وأبلغهم بأن مؤتمراً دولياً لتسوية أزمة الشرق الأوسط سيعقد في جنيف، وأن من يتخلف عن حضور هذا المؤتمر لن تكون له حصة في التسوية. وعقدت الفصائل الفلسطينية، اجتماعات لتدارس الموقف، وانقسم المجتمعون بين رافض لحضور مؤتمر جنيف للسلام، وبين متحمس له، وانشق الفلسطينيون بعد ذلك. واللافت هنا أن أحداً لم يقم بدعوة الفلسطينيين، وأن إدارة الرئيس نيكسون ومستشاره لشؤون الأمن القومي هنري كيسنجر وضع خطاً أحمر على حضور أي وفد فلسطيني، ما لم تعلن منظمة التحرير الفلسطينية صراحة اعترافها بمشروعية «إسرائيل»، وتوقفها عن العمليات الفدائية ضد الاحتلال.

في مراحل لاحقة تشكلت جبهة الصمود والتصدي، ليس على قاعدة تحرير فلسطين؛ بل لمواجهة الحلول المنفردة. بمعنى أن الخلاف لم يكن على مشروعية اغتصاب فلسطين، ولكن على طريقة إزالة آثار العدوان.

ومنذ ذلك الحين بات الانقسام في الأوساط الفلسطينية سيد الموقف. وقد تم ذلك للأسف، في غياب استراتيجية عملية واضحة لدى مختلف الفرقاء، فالذين طالبوا بالتمسك بالثوابت الفلسطينية وبالتحرير من النهر إلى البحر، لم يصيغوا استراتيجية عملية للتحرير، والذين قبلوا بسياسة الأمر الواقع واعتبروا النضال لإقامة دولة فلسطينية مستقلة فوق الأراضي التي احتلت عام 1967، لم يمتلكوا استراتيجية عملية للتفاوض حول هذا الهدف.

وفي ظل غياب الاستراتيجية العملية لتحرير القدس والضفة والقطاع، من قبل قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، لم يتبق سوى التبعية لسياسة النظام العربي الرسمي، وبشكل خاص الدول التي انتقلت من توصيفها بدول المواجهة إلى دول الطوق. ومن ذلك الحين ومسلسل التنازلات مستمر من غير حد.

لم يعد الاعتراض على بناء المستوطنات والتنكر لعروبة القدس، وحق اللاجئين الفلسطينيين في حق العودة إلى ديارهم، من ثوابت منظمة التحرير الفلسطينية. و«إسرائيل» العدو التاريخي للفلسطينيين، باتت شريكاً في عملية السلام، وغدت مهمة قيادة السلطة هي الحرص على أمنها، من خلال التنسيق الأمني المشترك بين السلطة والاحتلال، وصارت الجدران العازلة، وقضم مزيد من الأراضي الفلسطينية ومصادرة وهدم المنازل، وتجريف المزارع أموراً مألوفة ومعتادة لم تعد ضمن قائمة الخطوط الحمر.

ما هي إذن الخطوط الحمر التي تحدثت عنها السلطة الفلسطينية؟، وماذا تبقى من الثوابت التي أعلنتها الثورة الفلسطينية لحظة انطلاقتها؟