آخر تحديث: 30 / 10 / 2020م - 8:27 م

التفكير المفرط

ياسين آل خليل

نحن كبشر تَجْمَعُنا والحيوانات صفات مُشتركة، فجميعنا نأكل ونشرب وننام وأيضا نفكر ونتواصل. علاوة على هذا كله، لدينا الكثير من الإختلافات الرئيسية التي تُمَيزنا وتجعلنا نتفوّق على الحيوانات. أبرز تلك الإختلافات، قدرتنا كبشر على التفكير المنطقي وحل المشاكل المعقدة، وتَمَكُننا من الإبداع والإحساس بالفَرَح والحُزن، وهي مُواصَفات إنسانية ننفرد بها دون غيرنا من بقية المخلوقات.

كل شيء إلى هنا يبدو رائعًا، إلى أن يتعدى تفكير الإنسان حدود حالته الطبيعية، ويصل إلى مستوى من التفكير المفرط الذي يقفز بصاحبه إلى استنتاجات سريعة تَجُرُّه إلى القاع والعياذ بالله. هنا تتجلّى قدرة الإنسان على أن يتمسّك بالوسطية في نظرته إلى الأشياء ودون أن يعطيها أكثر مما تستحق من التفكير والتحليل والتمحيص المُبَالَغ فيه.

الإفراط في التفكير، هو السبب الرئيس للكثير من أمراض العصر المستعصية، كالقلق وضغط الدم والأزمات القلبية والأمراض النفسية التي تفتك بالإنسان وتَحُد من تطوره وتحقيق أهدافه ورغباته. كيف لا، وأنت ترى بأم عينك كيف أن الإسهاب في التفكير يدفع البعض إلى اللُجُوء إلى قرارات مبنية على التخمين وإلى تخيلات تحمل أسوأ السيناريوهات التي تُضَخّم المُشكلات وتُوصلها إلى الحد الذي تكون فيه الرجعة إلى الوراء أمرًا شبه مستحيل، وهنا يحدث ما لايُحْمَد عقباه من آثار جانبية خطيرة من الصعب تفاديها.

الإمعان في التفكير ليس حدثًا جديدًا بل أمرًا شائعًا بين الناس منذ القدم إلا أنه ومع بدء الثورة الصناعية والتزاحم على الوظيفة وتفشي الغيرة بين أفراد المجتمع الواحد طمعًا في الحصول على المال والمنصب وما أدراك ما يفعله المال من سحر للعقول لما يوفره لهم من حاجيات ورغبات. هذه الحقبة الزمنية تعتبر بداية تفشي وانتشار الكثير من أمراض العصر والمرتبطة بالتفكير المفرط والتي تتباين بين القلق على أمور حدثت في الماضي، أو التخوف مما يحمله المستقبل، وتشمل بعض توافه الأمور من القيل والقال لأناس غير مسؤولين.

عندما تصل تلك التفاهات إلى مسامع المُستهدفين من الناس وتَعْلَق في أذهانهم فإنها من الطبيعي أن تترك آثارها التدميرية، متسببة في حالة من الهواجس والوساوس والاضطرابات النفسية الدائمة لدى هؤلاء. عندما يتعدى التفكير حدوده فإنه يؤثر على الحالة العاطفية للأفراد ويسرق منهم أثمن ما يملكونه، أمنهم النفسي واستقرارهم الذهني، مما يجعلهم في حالة مزرية يصعب عليهم فيها الإستمتاع بالحياة، وإن توفرت فيها كل وسائل الراحة وأدوات الترفيه.

إذا وجدت نفسك في دوامة من التشويش الذهني جراء إفرَاطك في التفكير الغير مُجدي، فلا تنتظر طويلًا قبل أن تفصل نفسك تماما عن تلك الأجواء، باللجوء إلى طُرُق أخرى لملئ ذلك الفراغ. واحدة من تلك الطرق الفاعلة، هي الشروع في تدوين مشاعرك الخاصة بك. هذا التمرين كفيل بأن يُحرر مساحةً كبيرةً من ذهنك، تُمَكنُك من توظيف أشياء إيجابية لها مردود نفعي سرعان ما تلحظه في الأيام القليلة القادمة من عمر هذا التحول الذاتي المهم.

لقد شاءت الأقدار أن يكون لك حضور في هذا المعترك وأنت تعيش هذه المرحلة التاريخية التي تشهد فيها أحدث انتصاراتك ونجاحاتك على المؤثرات الخارجية التي كانت تستهدف راحتك ونموك وذلك بفضل سعيك وثباتك الواثق الخطى والذي لا تزعزعه جعجعة المغرضين.

راحتك النفسية واستقرارك الذهني ليست بالشيء الذي يمكن شراؤه أو الحصول عليه من الأسواق متى ما دعت الحاجة. إذا كنت فعلًا تتطلع إلى السكينة والهدوء الفكري، عليك أن تبني عادات جديدة يمكن لعقلك اتباعها والتأقلم معها، وهذه العادات في حد ذاتها قادرة على إحداث نقلة نوعية على طريق التفاعل الإيجابي مع أي حدث طارئ تواجهه.

معرفتك لأهدافك ووضعها نصب عينيك هو ضابط له فاعلية كبيرة على انتقائك للأفكار ذات الجودة العالية وإدارتها ووضع حد لعدم تجاوز المسموح أو الغلو في التوقعات الخارجة عن إرادتك. قدرتك على تمييز النافع من الأفكار، هو مؤشر على أنك قد وضعت قدمك على بداية الطريق نحو تفكير نقدي هادف لجميع الأفكار التي تمر عليك، بعيدًا عن الإفراط والتفريط. دمتم سالمين