آخر تحديث: 4 / 6 / 2020م - 2:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

صفقة القرن وشيطنة الفلسطينيين

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

تتأثر عملية صنع القرار الأمريكي، بعناصر وقوى عدة. وغالباً لا يأتي صنع القرار بصيغة الصدمة، إلا في حالة تعرض المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة لمخاطر واضحة.

هناك قوى من خارج الدائرة التنفيذية، تعرف بجماعات المصالح، إضافة إلى دور المؤسسات التشريعية، كمجلس الشيوخ والكونجرس. لكن التأثير الأكبر، في تشكيل العقل الأمريكي، منوط بجهاز الإعلام الهائل، الذي تتميز به الولايات المتحدة، وتتقدم فيه على جميع دول العالم؛ حيث يلعب الدور الأكبر في عملية غسل الأدمغة، وإعادة تشكيلها. كما تشارك مؤسسة هوليوود، وصحف أمريكية كبرى، في تهيئة الأمريكيين لقبول القرارات الصعبة.

وقد برعت هذه الأجهزة، وبشكل خاص، منذ بداية الخمسينات حين تشكلت لأول مرة، وبقيادة ألان دالاس، وكالة الاستخبارات المركزية، في شيطنة الأفراد والدول المستهدفة.

وتسهم الدوائر الأخرى، في تقديم الدعم لوسائل الإعلام، من خلال تقديم معلومات محرفة، وأحياناً غير صحيحة، لتشويه صورة الخصم من جميع الوجوه، ووصمه بقائمة طويلة من التوصيفات المقذعة؛ بحيث لا يكون هناك أي مجال لتبرير أي من سلوكياته، وقراراته.

قائمة من عمل الأمريكيين على شيطنتهم كثيرة، ضمت زعماء من مختلف دول العالم، كالزعيم الإيطالي موسيليني والصيني ماو تسي تونج والكوري الشمالي كيم أيل سونج، والكوبي فيدل كاسترو، والرئيس البولوني أنور خوجه، والقائد الفيتنامي هوشي منه، وقائد الخمير الحمر في لاوس بول بوت. ومن الوطن العربي، الرئيس المصري الراحل عبد الناصر، والزعيم الليبي القذافي، والرئيس العراقي صدام حسين، والقائد الفلسطيني ياسر عرفات، ومؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الدكتور جورج حبش. وقائمة من شيطنوا طويلة، تشمل سياسات الدول، ونهجها ورموزها. كما تشمل أفراداً، وقادة حركات تحرر وطني، تبنوا مواقف معادية للسياسات الأمريكية.

بالنسبة للقضية الفلسطينية، وحتى قبل اندلاع المقاومة الفلسطينية، كان الفلسطيني، في الإعلام الغربي هو العربي، العاجز، عن عمارة الأرض. وكانت الداروينية السياسية هي السائدة، فالبقاء للأصلح، والأقدر على عمارة الأرض، والفلسطينيون ليس بمقدورهم القيام بذلك. ومن هنا يستمد الكيان الصهيوني، مشروعية اغتصابه لفلسطين.

وحين اندلعت المقاومة الفلسطينية، مذكرة العالم، بوجود شعب فلسطين، وبأن هذا الشعب قد امتشق السلاح، ليسترد حقوقه، قفزت الإدارة الأمريكية بتوصيفها للفلسطينيين، من أناس لا حول لهم ولا قوة، إلى وصمهم بالإرهابيين. ووضعت التخلي عن السلاح والمقاومة، والاعتراف باغتصاب فلسطين، شرطاً للحديث معهم، وليس للاعتراف بحقوقهم.

أما الصهاينة، فقد ذهبوا إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. فنفت جولدا مائير وجود الشعب الفلسطيني، جملة وتفصيلاً في مقولتها الشهيرة، «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض». وحين أكد المقاومون للعالم بأسره، الحضور الفلسطيني، قالت تعبيرها الشهير «الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت». وإثر هزيمة يونيو/‏حزيران 1967 أشار موشى ديان في مذكراته، إلى أن جيش الاحتلال قد تمكن من هزيمة الجيوش العربية، لأن الشعوب العربية لا تقرأ.

وحين اندلعت المقاومة الفلسطينية، لتذكر العالم، بفلسطين وأن شعبها امتشق السلاح ليسترد حقوقه، تم وصم المقاومة، من قبل الإدارات الأمريكية والصهيونية بالإرهاب. واشترطت إدارة الرئيس نيكسون، على الفلسطينيين إلقاء السلاح والاعتراف بمشروعية اغتصاب الصهاينة لأرضهم. وتحقق ذلك منذ مطالع التسعينات، حين أعلن عرفات التوقف عن «الإرهاب» والاعتراف بوجود دولتين على أرض فلسطين، وإلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني.

مضمون صفقة القرن، هو أن يتخلى الفلسطينيون عن مشروع الدويلة، ويقبلوا بكانتونات متناثرة، تحت الوصاية الصهيونية. والتنازل عن القدس وأجزاء كبيرة من الضفة، والتخلي عن حلم السيادة والدولة المستقلة، وترشيق حق اللاجئين بالذين بقوا أحياء منذ نكبة 1948، والاعتراف بالمستوطنات، ورفع الراية البيضاء. يضاف إلى ذلك عدم الحديث عن الشرعية الدولية، وقرارات مجلس الأمم وهيئة الأمم المتحدة الكثيرة، المتعلقة بالحقوق الفلسطينية.

وإذا ما أخذنا مسلسل التنازلات التي قدمها الفلسطينيون للعدو، منذ منتصف السبعينات من القرن المنصرم، وتصلب الموقف الصهيوني، فإن صفقة القرن لن تكون المحطة الأخيرة، في هذا المسلسل. فإذا افترضنا المحال، وهو موافقة الفلسطينيين عليها، فإن الكيان الصهيوني لن يقبل بها. فالقبول بها حالياً، مشروط برفض الفلسطينيين لها. وما أن يتحقق ذلك، حتى نعود إلى مسلسل آخر من التنازلات.

رفض شيطنة الأمريكيين والصهاينة للقضية الفلسطينية، وتصليب عود المقاومة، والانطلاق من سياسة كفاحية جديدة، تتمسك بالحقوق الفلسطينية، كاملة غير منقوصة، هو السبيل لوقف نزيف التفريط، والتمسك بعروبة فلسطين.