آخر تحديث: 26 / 10 / 2020م - 12:58 ص

حتمية التغيير

ياسين آل خليل

عندما تحكم تصرفات المجتمع قواعد إرشادية هي في تكوينها من صُنع الإنسان نفسه، فإن تلك القواعد محكومة بنظم ومرتكزات لها ما لها وما عليها كأي نظرية من النظريات العلمية، لها عمر زمني يتداولها الناس ويعملون بها إلى أن يأتي آخر بنظرية أخرى تدحضها فَتَنْسفها وتحل مكانها. ما دامت البشرية مواصلة سعيها الحثيث في البحث والتطوير على الصعيدين العلمي والمجتمعي، فليس هناك من شيء ثابت، إلا ما علمنا إياه العزيز الحكيم ﴿فِي كِتَابٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى.

المجتمعات اليوم هي في سباق متزايد للاستحواذ على المزيد من الثروات والمزيد من ملذات الحياة بتنوعها، بل وتتطلع إلى الأمام لخلق واقع جديد يحظى بالغلو في مغريات العصر المعسولة بعد أن توصل الباحثون في هذا الرافد الحياتي الملغوم الى اسْتنتاجاتهم الأولية بأن الحاضر لم يعد يُحقق الرضا الكافي للكثير ممن يمتلكون القدرات المادية ويبحثون عن سُبل جديدة ومبتكرة يُنْفقون فيها أموالهم.

لم تعد القناعة لها وجود يُذكر إلا في بُطون الكتب المُهملة على رفوف المكاتب والتي لا يعير لها أحد اليسير من الإهتمام. أما واقع الحال، فينشد حكماء المجتمع إلى التنبه والأخذ بما يمكن أن ينتشل الحالمين من غفوتهم وإرجاعهم من عالمهم الافتراضي إلى مُحاكاة عالم الواقع، بعيدْا عن الاحتمالية والفرضية. أن يعيش الفرد بما تتوافر لديه من مداخيل، لخيرٌ له وأبرك من أن يُبدد طاقاته لتحقيق مُستقبل قد لا يُحَالفه الحظ ليترَعْرَع وينمو أو أن يكتب له العيش فيه على أقل تقدير، خاصةً عندما لا توجد هناك من ضمانة تنبئ المُحتسب بأن المستقبل سيكون أفضل من الحاضر.

الهواجس كبيرة وفي تزايد لا يعرف الهوادة، والقليل هم من يتوجسون خيفة في اتباع هذا النهج الحياتي الطاحن للعلاقات والصحة معا. الكثير لا يعطي أهمية لما في جعبته من امكانيات، بعد أن تََملّكته النزعة الإستهلاكية، وأصبح هَمُه الأوحد، مراقبة نمط حياة الآخرين وغبطهم أو حسدهم على ما هم فيه من خير وكأنه من المحرومين.

هذه النزعة أضاعت ما تبقى لدينا من وعي مجتمعي، فصرنا نهيم في البيداء كالذي أضاع بوصلته فلم تعد لديه وجهة محددة أو هدف بعينه يسعى للوصول إليه. من أضاع نفسه، تهون عليه مصيبة ضياع القريب قبل البعيد. من المضحك المبكي، عندما يصحوا البعض من غفوتهم لدقائق معدودات، وقبل أن يدخلوا في غيبوبتهم التالية، يتساءلون أنفسهم والغير كيف انحدروا إلى ذلك المستوى من تردي العلاقات مع أقرب الناس إليهم، وكما لو أن هؤلاء قد سلبوهم رزقهم، أو أنهم أصَابوهم في مقتل والعياذ بالله.

بعد كل شيء، تقوقع الجَمْع حول أنفسهم، يعيشون الأنانية جُملة وتفصيلًا، غير آبهين أو مُهتمين إلى ما قد تؤول إليه سفاسف الأمور من عوارض قد تندى لها الجبين. لكن هي الأنفس وما أدراك..! صار الواحد منا كما لو أنه مخلوق آخر لا يمت إلى البشرية في شيء، نزل من السماء فوجد نفسه في أرض غريبة، يجد صُعوبة في التواصل مع الآخر، وكأن الطرفين لا تجمعهم لغة واحدة وتراث واحد..! يا ترى هل نسي الناس إنسانيتهم، أو أن المال سحر ألبابهم فجعلهم كأعجاز النخل الخاوية، بعد أن فشلوا في أن يكونوا بشرًا قادرين على تخفيف آلام بعضهم البعض في عالم مخيف، يحتاج فيه الجميع إلى تظافر الجهود ورص الصفوف، بدلا من الفرقة والتباعد.

لا أحد منا يتنكر أهمية الأحلام والطموحات ورسم صورة بهيجة للمستقبل الذي نتأمل فيه جميعًا بحبوحة من العيش الكريم. لكن ذلك لا يعني أن نعيش تلك الرحلة البائسة، بداية من الساعات الأولى التي عقدنا فيها النية، ولا انتهاء بمرحلة التخطيط للسفر وما بعدها. الحاضر هو اللحظة الوحيدة الملموسة لاتخاذ الإجراء المناسب، فماذا عسانا ننتظر..؟ التغيير بات حتمية لا تحتمل التأجيل، وإن استعصى بنا الحال وبات أمرنا المحتوم هو صُنع العَجَل من جديد، فليكن كذلك..!