آخر تحديث: 26 / 2 / 2021م - 9:34 م

مزالق البث المباشر

الدكتور محمد المسعود صحيفة الاقتصادية

فيما مضى من الزمن لم يكن الفضاء مفتوحا ولم يكن المغلق على الذات قابلا للرؤية بعيدا عن المبصرين الحاضرين، كان الخطأ يموت بعد حدوثه، حيث لا راصد يتربص به ولا يوتيوب يخلده بعد أن يضاف إليه التعليق المكتوب أو الكلمة الصوتية المضافة، لجعل المتلقي يبصر الخطأ بوضوح لا مواربة فيه، وربما جعله شنيعا أكثر وأكبر مما هو عليه.

حين يتردى الخطيب أو المتكلم في معلومة خاطئة أو فكرة خاطئة أو طريقة غير مقبولة فهذا يعني أنه سيُعير بها طوال ما بقي من عمره ولن يسحبها موته من اليوتيوب وتقنية نقل المعلومات السمعية والبصرية.

هذا يعني - أننا - جميعا متكاشفون؛ السامع والمتكلم والبصير عن جُنب كالبصير في نهاية الأرض! وويل للخطباء والمتكلمين الذين يحسبون أنهم في حدود جدران المكان وأن عقول مستمعيهم في حدود الحاضرين بين أيديهم!

لن يعود ذاك الزمان مرة أخرى.. لن تعود للخطباء والمتكلمين فرصة مواراة الخطأ ومواراة الضعف والنقص في المعرفة والانفعال البغيض والتسرع في قبول ما لا يجوز قبوله أو رواية ما لا ينبغي روايته، أو سقوط التهذيب أو تجاوز العقل وسمات التبصر في الرؤية وفي الفكرة والطرح. وأحيانا الغضب والشتيمة.. والتفاخر بشيء ما مضاف إلى القيمة الذاتية للإنسان.. إذ من يقدر قيمة ذاته غالبا لا يشعر بالفخر كثيرا لما يُضاف إليها من العرض الزائل كالمال الراتب المنصب، المسمى الوظيفي وغيرها. الكثير مما يمجها السمع وتعافها النفس والفطرة السوية. الذات هي الذات القادمة إلى الدنيا بفطرتها والراحلة عنها بما علق بها من صفات.. وما ران عليها من آثار!

المسؤولية مضاعفة اليوم والحاضر غير أدوات الرصد وتغير مساحة السمع وتبدلت مساحة البصر أيضا في جعله مفتوحا على الحاضر كله والمستقبل بتمامه، بخلاف ما كنا عليه وما كنا فيه، خطيب القرية يهرف بما لا يعرف والجميع يحسبه الفارابي وابن سينا تحت عباءته.

هذه ميزة لمن أعد نفسه بعدة العلم والحكمة والعاطفة المتوازنة والوعي بحال الناس ومتغيرات مسلمات المعرفة والعلم والإدراك!

كما أن البث المباشر فخ مغر يمكن الكثيرين من التقاط الساقط من المعنى والمتردية من العبارة! ومهما كان المرء حريصا وشديد الحرص قد تخذله ألفاظه أحيانا وقد يصعب عدم سوء الظن بعبارته بالشكل الذي قيلت فيه وبالطريقة التي قيلت فيها ولن يشفع له ما يسوقه من مبررات أو يقدمه من إيضاح.. بلغ بالبعض الانزلاق إلى القذف وآخرين بالطرد من طاولة الحوار والبعض الآخر التضارب بين المتحاورين بالأيدي والكراسي وما أمكن حمله والضرب به من مكونات المكان بما فيها مقدم البرنامج نفسه. ثمة حرية هنا وفضاء مفتوح وبث مباشر، إلا أنه خالد ولا يزول، وكما يصل من خلاله الكثير من المعاني والفكر يترك من خلفه الكثير من الضحايا أيضا.. خاصة الجنس البشري في تكوينه كيمياء خاصة تجعله ينجذب للفضائح وسقطات الآخرين، وثمة متعة ونشوة غامضة يجدها كثيرون في تمريرها ونشرها على أكبر مدى يستطيعه ويقدر عليه.

لا مناص إذاً من توخي الحذر وممارسة التمرين على تدفق المعاني في سياق لفظي محدد وثابت! إن قليلا من الكلام مع الصواب خير من كثيره مع خطأ يزري بصاحبه ويخلد فضحه بين العالمين أبد الآبدين.