آخر تحديث: 24 / 11 / 2020م - 7:02 ص

البراغماتية والإنجاز

ولدت الفلسفة البراغماتية «البراجماتية» وترعرعت في أحضان الولايات المتحدة الأمريكية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، على يد روادها تشارلز بيرس وويليام جيمس وجون ديوي وتبعهم ريتشارد رورتي وهيلاري بوتنام وغيرهم. والبراغماتية كلمة مشتقة من لفظة براغما اليونانية وتعني العمل. وتسمى البراغماتية أيضا بالفلسفة النفعية او الذرائعية او الأدائية، ومن أهم مبادئها ما يلي:

• تتبنى البراغماتية نسيان الماضي فلا تهتم بنشوء الأفكار ومصدرها، بل تنظر الى الأمام دائما،

• تتبنى المعرفة التجريبية فتعتمد على الوقائع العملية لإثبات صحتها، وليس على البراهين العقلية،

• تعتبر أن صدق الأراء والأﻓﻜﺎر يعتمد فقط على قيمتها الفورية العملية،

• تعتبر أن العبارة او الجملة ذات معنى إن كان لها نتائج عملية،

• ترى أنه ليست هناك حقيقة قائمة بذاتها بل كل حقيقة بمثابة خطوة نحو حل مشكلة معينة ثم سرعان ما تصبح حلقة في سلسلة فكرية جديدة،

• ترى أن ما هو صادق اليوم قد يكون كاذبا أو خطأ غدا، فالأخلاق ليست ثابتة بل متغيرة وهي أداة ووسيلة للمنفعة،

• أدخل جيمس المؤمن بديانته المسيحية الأثار الوجدانية للتدين ضمن المنافع المتوخاة، فهو يقول «إذا أثبتت الأفكار اللاهوتية أن لها قيمة في الحياة الملموسة المحسوسة فهي أفكار صحيحة بالنسبة للبراغماتي»،

• على العكس من جيمس، لا يعتبر ديوي أثر الأديان ضمن الأفكار النافعة فهو يقول: «ينبغي رفض كل الأفكار التي تتعالى على الطبيعة... والاتجاه الى الخبرة حيث أنها تعلمنا أن كل شيء يتغير»، وفي مقال آخر يقول ديوي: «الفكر يهدف الى مساعدة الكائن الحي ليتوافق مع بيئته فالتأقلم الناجح المؤدي الى البقاء والنمو هو بمثابة المعيار على صدق الأفكار».

وتعكس الفلسفة البراغماتية جذورها من الفلسفة النفعية التي نادى بها جيريمي بنثام وجون ستيوارت ميل. وقد حاول ستيوارت ميل ان يعتبر المنفعة الاجتماعية العامة بدلا من المنفعة الفردية مقياسا للصدق والصواب. ومع الأسف، لم تنجح البراغماتية في إيجاد التوازن بين المنفعة الفردية والمنفعة الاجتماعية، بل أصبحت المنفعة الفردية هي الغالبة خاصة في ضوء النظام الرأسمالي الذي أطلق عنان الحرية الفردية وأعتبر الفرد محور الحركة الاقتصادية.

هكذا انطلقت البراغماتية وتغلغلت في أوساط الشركات ورجال الأعمال لتجعل الناحية العملية والمنفعة المادية الفردية مقياسا للنجاح ومحفزا للحركة الاقتصادية. بل وأصبحت عصب الحياة في إدارة الأعمال والأسواق المالية، فالمنفعة المالية أي «الأرباح أولا» هي من يحرك الصناعة والتجارة والأسواق العالمية وليس «الأنسان أولا». وهذا ما أوجد فوارق طبقية فاحشة استفادت منها طبقة الأثرياء التي تمثل فقط 1 الى10% من مجموع الناس.

من هذه المنظومة الفكرية أنطلق سليجمان في تعريفه للإنجاز حيث أعتبر أن:

الإنجاز هو حاصل ضرب الكفاءة في المثابرة

الإنجاز = الكفاءة * المثابرة

وكما يبدو فمعادلة سليجمان يغيب عنها عنصر الأخلاق، وهذا قد يعكس روح البراغماتية السائدة التي لا ترى الأخلاق قيدا للحركة الاقتصادية بل تستبدلها بالمنفعة. كما أن معادلة سليجمان للإنجاز لا تضع أثرا للمنفعة الاجتماعية العامة مما يؤكد صعوبة الموازنة بين منفعة الفرد ومنفعة المجتمع، وهذا ما عانت ولاتزال تعاني منه الفلسفة البراغماتية.

وفي كل الأحوال، فقد حققت الفلسفة البراغماتية عناصر النجاح التالية:

* لا للتنظير ونعم للتطبيق، فالبراغماتية تحث على الحياة العملية وليس فقط الأفكار النظرية،

* تضمن البقاء للأفكار الاقتصادية الناجحة، فالكثير من الأفكار والبرامج الاقتصادية تحتاج الى غربلة في ساحة الحياة ليتبين صوابها من خطئها،

* سهولة العمل مع البراغماتي نتيجة رغبته الشديدة للحصول على المنفعة، فمن خلال المفاوضات الناجحة يمكن الوصول الى معادلة تحقق المنفعة لجميع الأطراف المشاركة،

* تبنت المجتمعات الغربية رسميا القانون بدلا عن الأخلاق، فالقانون يفرض الكثير من الآداب والقيم كالأمانة والصدق وهذا ما يراه الجميع حين يعيش مع الغربيين في حياتهم العادية خاصة في تعاملهم داخل مجتمعاتهم. ولا ننسى أن الكثير من الغربيين لايزال يتحلى بصفات الدين المسيحي والتي تتبنى الأخلاق والقيم كبقية الأديان. ومع ذلك، يلاحظ على البراغماتية مايلي:

* تغيب القيم الأخلاقية حين تتعامل المجتمعات الغربية مع غيرها من الأمم خارج دولها، وخاصة مع أمم الدول الفقيرة التي رزحت تحت الاستعمار فترة طويلة. فمثلا، يحرم القانون الغربي الاحتكار رسميا داخل المجتمعات الغربية بينما يسمح بممارسته خارج هذه المجتمعات،

* يتحايل بعض الغربيين أفرادا وشركات بدافع المنفعة على القانون نتيجة معرفته ببعض الثغرات القانونية،

* يشيع الكثير من السلوك الشهواني اللاأخلاقي داخل بعض المجتمعات الغربية نتيجة غلبة الغريزة على العقل،

* يسمح القانون الأمريكي رسميا بعمل اللوبيات والتبرع بالأموال للتأثير على واضعي القانون مما يسمح للأثرياء بسن القوانين المناسبة لمصالحهم فتغلب المنفعة الفردية على المنفعة الاجتماعية،

* تستحوذ الشركات الكبرى على الأصغر منها مما يسمح لها أحيانا بالاحتكار ومضاعفة أسعار منتجات الشركات المستحوذ عليها،

* تمارس الشركات أقصى جهودها لتعزيز الأرباح حتى وإن أدّى ذلك الى تسريح الألاف من الموظفين،

* تنتشر الدعاية لتشجيع الاستهلاك فترتفع الأسعار على المستهلك النهائي ويزداد استخدام الكماليات، كل ذلك لتعزيز أرباح الشركات،

* تستخدم كل أساليب الجذب وتستثار الغرائز في الحملات الدعائية والبرامج الترفيهية تطبيقا للمبدأ البراغماتي بأن المنفعة هي مقياس الصواب.

وهنا يتبادر سؤال مهم وهو ما هو موقفنا من الفلسفة البراغماتية؟

إننا نؤمن بسمو العقيدة والإيمان والأخلاق كضرورة لحياة الأمم على مر الأجيال والعصور. كما ونؤمن بقدرة الشريعة على تحقيق التوازنات الصعبة التالية:

• بين الجانب الروحي والجانب المادي داخل الإنسان، أي بين العقل والروح من جهة وبين نوازع الغريزة من جهة أخرى،

• بين منفعة الفرد ومنفعة بقية أفراد المجتمع.

فنعتقد بأن المشرع هو الحاكم العادل الحكيم وأن القصد من التشريع هو جلب المصالح ودرأ المفاسد على مستوى الفرد والمجتمع، فالمنفعة الدنيوية والأخروية على مستوى الفرد والمجتمع هي علة التشريع. لذا فالشريعة تمثل البديل الأفضل عن البراغماتية التي يغيب عنها غالبا عنصرا الأخلاق والمنفعة العامة.

كما وإننا نؤمن بثبات الأخلاق والقيم كالصدق والأمانة والعدالة وغيرهم، رغم اختلاف المصاديق الخارجية والآداب الاجتماعية في المجتمعات المختلفة. ومع ذلك، يسمح التشريع ببعض الاستثناءات كجواز الكذب لحفظ حياة الأنسان البريء، ضمن أطر محددة ومدروسة بعناية.

بناء على ما سبق، فإننا نتبنى معادلة الإنجاز التالية وهي:

الإنجاز = الكفاءة * المثابرة * الاستقامة * لذة العمل مع الآخرين

فالإنجاز هو حصيلة ضرب الكفاءة «ك» في المثابرة «م» في الاستقامة «ا» في لذة العمل مع الآخرين «ل»، ونختصرها بكلمة كمال.

لقد اضفنا على معادلة سليجمان ما يلي:

الاستقامة لأنها المعيار العملي لتطبيق الأخلاق وثباتها في حياتنا العملية، ولذة العمل مع الآخرين لأنها معيار تحقيق المنفعة العامة في نشاطنا الحياتي.

أما كيف تحقق معادلة الإنجاز التي نقترحها حركة اقتصادية مثمرة، اي كيف لا تتعارض الاستقامة ولذة العمل مع الآخرين مع الإنجاز والإنتاجية والتطور الاقتصادي، فهذا ما سنناقشه مستقبلا ان شاء الله.

رئيس جمعية مهندسي البترول العالمية 2007
والرئيس التنفيذي لشركة دراغون اويل سابقا.