آخر تحديث: 25 / 11 / 2020م - 7:00 م

تآزر البشرية من أجل تجاوز الأوبئة والعنصرية!

حسن المصطفى * صحيفة إيلاف السعودية

يوم 28 سبتمبر 1970، أسلم الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر روحه إلى بارئها. لتخرج الجماهير إلى الشوارع، ناعية السياسي الذي كان رمزا لـ ”القومية العربية“.

عبد الناصر تبنى مواقف خارجية تناقضت في عدد منها مع السياسات السعودية، وتضاربت معها في أكثر من ملف؛ لم يكن دعم ”الحركات الثورية“ وحدها نقطة الخلاف، بل امتدت إلى حرب اليمن، وسواها.

في ذات اليوم أتى أحدهم إلى الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود، حاملا له خبر رحيل ”خصمه السياسي“، و”مبشرا بموته“!

الرجل الذي كان يعتقد أنه يهدي خبرا سعيدا للملك السعودي، تفاجأ بردة الفعل، والغضبة الملكية، والجواب الذي أتاه واضحا لا لبس فيه: ”أتبشرني بموت رجل مسلم“!

تلك هي ”المناقبية الأدبية“ التي تحكم تصرفات العرش ومواقفه. ف ”الموت“ لا شماتة فيه. والاختلاف السياسي لا يبرر أي موقف عدائي أو غير أخلاقي.

أستذكر القصة أعلاه، وأنا أتابع تطورات إنتشار فايروس ”كورونا“، وما تبعه من مواقف وردات فعل عنصرية وطائفية، بعيدة عن السلوك الإنساني الطبيعي، الذي يتعاضد في الأزمات، لمواجهة الأوبئة والأخطار، وتجاوز الأمراض التي لا تفرق بين أحد على هذا الكوكب.

الخطاب الطائفي

”العالم اليوم يواجه تحدّيات متصاعدة لمكافحة فيروس كورونا «كوفيد 19» الذي لا يفرق بين عرقٍ أو دين أو أي انتماء فكري أو اجتماعي أو طائفة، وهو ما يستوجب تضافر الجهود لمكافحته والتصدي له“.

هذا ما تحدث به ولي عهد البحرين الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، أثناء زيارته لغرفة العمليات التابعة لـ ”الفريق الوطني للتصدي لفيروس كورونا الجديد“، بالمستشفى العسكري، بمملكة البحرين، بعد أن سجلت المنامة عددا من حالات الإصابة بين مواطنين قدموا من إيران.

ولي عهد البحرين، رغم أنه كان في زيارة لمنشأة صحية، إلا أنه كان يوجه رسائل سياسية واجتماعية، تؤكد على ضرورة ”الوحدة“ بين أبناء الوطن.

هذا الحديث، يروم التصدي للجدل الذي أثير في مواقع التواصل الاجتماعي، وعدد من النقاشات التي أخذت طابعا ”طائفيا“، مركزة على الهوية المذهبية لبعض المصابين، والدولة التي قدموا منها.

إنه من غير العقلاني تحويل موضوع طبي، يتعلق بسلامة المواطنين والمقيمين، إلى ورقة في الصراع المذهبي والسياسي بين المتشددين، وتقاذف الشتائم التي تمزق المجتمعات وتهدد سلمها الأهلي!

الأمير عبد الرحمن بن مساعد، هو الآخر، غرد في حسابه على منصة ”تويتر“ قبيل الإعلان عن إصابة سعوديين بالفايروس، معتبرا أن ”كورونا فيروس ومرض من الممكن أن يصل الى أي مكان. استخدام البعض للمرض في الشماتة والسخرية من بلاد معادية أمر غير أخلاقي وغير عقلاني“.

التغريدة أتت في ذات السياق أيضا، مواجهة أصوات الكراهية، التي وبعد عملت عدد من الحكومات الخليجية على حصار الخطابات الأصولية، وجدت نفسها تفقد مكانتها، ويقل نفوذها، ولا تعود لها ذات السلطة على عامة الناس. لذا، باتت تسعى لأن تلعب على المتناقضات، ومشاعر الخوف والقلق التي تسببها الأمراض، وتبني مخيالا ”مدنسا“ للآخر، وتجعله ليس مصدر ما تعتقد أنه انحرافات ”عقدية“ وحسب، بل هو أيضا بؤرة لـ ”المرض“ والشرور الجسدية منها والروحية!

المبادرة السعودية

بدايات فبراير المنصرم، لم يكن ”كورونا“ إنتشر في إيران أو بعض الدول الخليجية، كما هو عليه الآن. كان الناس يتابعون الأخبار القادمة من أقاصي الصين.

كنت في زيارة إلى سجن المباحث العامة، بالمنطقة الشرقية في السعودية. ما أن دخلت الممر، إلا واستقبلني مبتسما ممرض من الجنسية الفلبينية، وإلى جنبه لافتة توعوية عن أخطار الفايروس الذي لم يصل المملكة بعد. حياني بأدب، استأذنني، وقاس بجهازه حرارة جسدي، ليتأكد من سلامتي، وبعدها سمح لي بالدخول إلى السجن.

الإجراءات الاحترازية السعودية، جاءت باكرا، وهي تروم الحفاظ على سلامة المواطنين أيا كان مكانهم. ولذا، أتى الموقف الذي أعلنه ”مصدر مسؤول“ في الحكومة، ونقلته وكالة الأنباء الرسمية، منسجما مع هذه التدابير الصحية. حيث دعا المصدر ”جميع المواطنين السعوديين الذين زاروا إيران وعادوا خلال الأسابيع الماضية، بالإفصاح عن ذلك فورًا، والتواصل مع وزارة الصحة عن طريق الرقم المجاني“، مبينا أنه ”سيتم استثناء هؤلاء المواطنين من تطبيق أحكام نظام وثائق السفر ولائحته التنفيذية في حال بادروا إلى ذلك في مدة أقصاها 48 ساعة من ساعة إصدار هذا البيان“.

التصرف الرسمي جاء وفق ”روح القانون“ الذي يروم الحفاظ على النظام العام، وسلامة المواطنين وأمنهم وصحتهم قبل كل شي.

الجهات الرسمية، لم تُقدم مبدأ ”العقاب“ تجاه من خالف القوانين، وزار دولة ممنوع السفر إليها. ف ”الدولة“ مهمتها الحفاظ على إنتظام المجتمع، وتحقيق ذلك بأفضل الوسائل وأقلها كلفة، ودون الحاجة إلى الذهاب نحو ”الردع القانوني“ إلا في حال استوجب الأمر ذلك.

مسؤولية علماء الدين

العلامة الشيخ عبد الله بن بية، رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، صدر عنه أكثر من موقف، أيد فيها الإجراءات المتخذة في السعودية والإمارات، من أجل الحد من التأثير السلبي لفايروس كورونا.

بن بية، تحلى بالشجاعة العلمية والفقهية، وكان من أوائل العلماء الذين أيدوا تعليق العمرة وزيارة الحرم النبوي الشريف، مؤقتا، تحوطا من تفشي الفايروس بين المؤمنين.

الملفت في موقف بن بية، أنه لم يكتفي بالتأصيل الفقهي والشرعي لرأيه، بل دعمه ب ”العقل“ الذي هو حجة الله على عباده. وأيضا، بوعي أساسي بأهمية احترام الأنظمة والقوانين التي تشرعها مؤسسات الدولة.

المجتمعات العربية، لا يزال الدين عاملا أساسيا في مكوناتها، وبالتالي، هنالك مسؤولية على القيادات الروحية، في أن تعزز الوعي بين الناس، وأن تكون شجاعة في حث الناس على تأجيل السفر إلى الأماكن الدينية والمزارات الروحية، وأن السفر فضلا عن كونه مخالفة قانونية، هو أيضا تصرف لا ينسجم مع القيم الأخلاقية والإنسانية العليا التي تسعى الأديان لتعزيزها.

هنالك في كل دين ومذهب، أفكاره ”غير العقلانية“، وأيضا شريحة من الأتباع الذين يغلقون على عقولهم، ويمارسون تصرفت أقرب إلى ”الرثاثة“، مثل الفيديوهات التي انتشرت لأفراد ”يلعقون الأضرحة“. وهذه الشريحة يرتفع صوتها في غمرة النزاعات الطائفية والعنصرية، كما هو حاصل في الوقت الحالي. إلا أنه يجب أن لا يتم الاستسلام لمواقفهم التي تروج للخرافة، وتحتقر العلم، وتدعي أن المرض سيزول بمجرد الإيمان بغيبيات لا صحة علميا لها.

إن على القيادات الدينية أن تعلي من شأن العقل، وتجابه الخرافة والترهات، وهي قادرة على إحداث تأثير ملموس لو سعت في ذلك.

الخطاب الإعلامي

فاتح مارس الجاري، نشر الكاتب السعودي عبد الله بجاد العتيبي، مقالا في صحيفة ”الاتحاد“ الإماراتية، بعنوان ”الشماتة بفيروس كورونا“، مما جاء فيها ”أقبح هؤلاء المتخلفين من البشر، من يربط مصائب الناس بما لا يد لهم فيه، بأديانهم ومذاهبهم أو بأعراقهم أو ألوانهم“، مضيفا ”لا يقل قبحاً عن هؤلاء، من يزعم أن هذا الفيروس الخطير إنما أصاب إيران وحلفاءها؛ لأنهم ينتمون إلى المذهب الشيعي الكريم، وعلى الرغم من الخلاف الحادّ سياسياً مع النظام الإيراني، إلا أن الشعب الإيراني الذي يفتك به هذا الداء لا علاقة له بالخلافات السياسية“.

المقال انتشر بشكل واسع، ولقي إشادة من شخصيات ثقافية وروحية، في أكثر من دولة. السبب بسيط: لغته العقلانية، وموقفه الإنساني، ودرجة الوعي السياسي الذي تحلت به المقالة.

نائب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، وأيضا وزير الدولة للشؤون الخارجية عادل الجبير، بينا في أكثر من مناسبة أن الخلاف مع إيران هو خلاف سياسي وأمني مع النظام الحاكم وسلوكه التوسعي الخارجي، وأنه لا مشكلة بين الشعبين السعودي والإيراني.

هذا الموقف السعودي كرره أيضا أكثر من مسؤول، وتسمعه بشكل مفصل من نخب سياسية وثقافية. وربما من الجيد أن يعي بعض الكتاب والمغردين هذه الحقيقة، وأن لا يكونوا أصواتا للتحريض، وافتعال الأزمات المجتمعية في الداخل السعودي، بتحويل الخلاف إلى ”صراع مذهبي“، وهو ما ترفضه القيادة السياسية.

هي أوقات للتآزر، والعقل، وأن نعلي من شأن الإنسان، وأن لا نسلم عقولنا للغرائزية والخرافة والخوف المبالغ فيه، والإشعات التي تحل مكان الحقائق.

لقد مرت على البشرية الكثير من الحروب والأوبئة والمجاعات، واستطاعت بإرادتها القوية، وتآزرها، أن تتجاوز بحارا من الدماء والكوارث والآفات، وعلينا أن نكون على قدر المسؤولية، من أجل أمن هذا الكوكب وإعماره بالخير والسلام.