آخر تحديث: 26 / 2 / 2021م - 7:49 م

في معنى المعاصرة

محمد المحفوظ * صحيفة الرياض

من منظور إنساني ومعرفي، لايمكن ممارسة الانفصال والقطيعة التامة مع التاريخ وأحداثه.. لأن بعض ما يعيشه الإنسان الفرد أو الجماعة، هو في بعض جوانبه أحد تجليات تأثير التاريخ في الراهن.. لذلك فإننا نعتقد أن المطالبة بالانفصال المعرفي التام عن التاريخ وتطوراته، ليست مطالبة حقيقية، لأنه إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع.. ولايمكن معرفيا أن يتخلص الإنسان كاملا من رواسب تاريخه الخاص والعام..

الأصالة ليست رصيدا تاريخيا وحسب، وإنما هي الإرادة والقدرة الذاتية على الإبداع. والمعاصرة ليست ذوبانا في الراهن، وليست انسلاخا من الجذور، وإنما هي تفاعل مستديم مع مستجدات العصر، وحضور فاعل وحيوي مع مشاغل العصر ورفض للانزواء والهروب إلى كهف الماضي. فلا معاصرة حقيقية بلا جذور ثقافية واجتماعيةلذلك فإننا نرى أن المطلوب دائما هو امتلاك وعي حضاري عن التاريخ وأحداثه وتطوراته.. فالوعي الحضاري هو الذي يمكن الإنسان من منع تأثير الجوانب السلبية من تاريخه على راهنه، وهو الذي يؤهله أيضا لاستيعاب العناصر الإيجابية من تاريخه..

لذلك فإن المطلوب ليس القطيعة التامة والناجزة، لأن هذا من الناحية الفعلية لايمكن أن يتحقق، وإنما المطلوب هو خلق الوعي الحضاري تجاه الماضي والتاريخ، لأنه هو جسر العبور لبناء معاصرة خالية من عيوب التراث والتاريخ.. فلا يوجد على مستوى التاريخ قطيعة، لأننا نحمل مسؤولية الماضي، لأن الماضي موصول بالحاضر، والاثنان معا لهما صلة بالمستقبل، فلا فصل في التاريخ، هناك وصل استمراري لحركة التاريخ.. أي ثمة حتمية وجبرية يفرضها الوجود، جبرية السنن والقوانين، جبرية النتيجة المتصلة بالمقدمات، والنهايات الموصولة بالبدايات.. فلايمكن إذن أن نقابل بين الحاضر والماضي، ونجعل تحقيق أحدهما على حساب الآخر.. نحن نقول إن عدم تحديد بوصلة نظرية واضحة وسليمة في علاقة الحاضر بالماضي، يجعل الإنسان «الفرد والمجتمع» يعيش الازدواجية في كل نواحي وحقول حياته..

فمن الخطأ الافتراض، أنه من أجل المعاصرة، لابد من الاغتراب ومقايضة تاريخنا وثقافتنا بالاندماج في الآخر الحضاري.. ويكفينا دليلا على ذلك، أنه لم يرو لنا التاريخ، أن أمة من الأمم استطاعت أن تتقدم وتتطور، أو تدخل على المعاصرة بدون الاعتماد على تاريخها وقيمها وأصالتها الحضارية..

فالحضارة الغربية الحديثة، لم تحقق كل انجازاتها ومكاسبها، إلا بالاعتماد على قيمها وإرثها التاريخي.. حتى إن الولايات المتحدة الأمريكية، لم تحقق كل ذلك، إلا بالأصالة الأوروبية التي حملها المهاجرون إليها من أوروبا..

فطريق العصرنة ليس محاكاة الآخر الحضاري، إذ إن محاكاته تؤدي إلى الاستلاب الحضاري والتشوه الأيدلوجي، الذي يحولنا إلى أمة ميتة - جامدة - مقلدة.. كما أن التحديث القسري يؤدي إلى الاستبداد السياسي والتشظي الاجتماعي، إذ إن عملية التحديث القسرية تحاول أن تبني منظومة قيم جديدة وتواصلاً ثقافياً متغرباً.. وهذا التغيير لا يتم إلا بتفكيك منظومة القيم السابقة بما فيها اللغة كأداة للتواصل الثقافي والاجتماعي، وجميع أشكال التواصل بين أبناء المجتمع الواحد..

والعمل على تغيير المفاهيم وأنساق التفكير، ومعايير التفاضل الثقافي والاجتماعي.. وهذه العملية لا تنجب إلا الانسحاق وفقدان التوازن، والاستلاب القيمي والاجتماعي..

فالمعاصرة الحقيقية والفاعلة، هي التي تأتي عبر الأصالة التاريخية والحضارية، التي تحرك فينا كل العوامل والعناصر التي توجد المجتمع الفاعل والمؤثر والشاهد.. والأصالة هنا لا تعني العودة «بالمعنى الزمني»، وإنما تعني الأخذ بنمط حضاري، يمدنا بالقوة والمعرفة، وقادر على تحقيق الطموحات الحضارية للعالمين العربي والإسلامي.. فنحن لا نطلب الماضي لذاته، وإنما من أجل إعادة الأصول والمنطلقات والقيم التي صنعت الماضي المجيد إلى الحاضر والانطلاق بها إلى المستقبل.. وبكلمة فإن التاريخ يشكل خريطة ثقافية - اجتماعية متكاملة شاملة، ونظرتنا الحضارية إليه، تحوله إلى قوة دافعة لتحقيق المزيد من الأمجاد والازدهار والتقدم.. فلا نتغنى فقط بأمجاد التاريخ، وإنما نحاول الإضافة إليه، استلهاما من الروح والمنطلقات والقيم التي صنعت ذلك التاريخ المجيد.. فالماضي لا يعني الهروب من الحاضر ومسؤولياته وتحدياته «كما يزعم البعض»، وإنما هو عملية واعية لتحقيق الوجود.. لأن الماضي، هو الذي يمتشق صهوة الحاضر وعدته.. وإن المجموعة البشرية التي تنفصل عن تاريخها أو ماضيها، فإنها تقوم بعملية بتر قسري لشعورها النفسي والثقافي والاجتماعي، وسيفضي هذا البتر إلى الاستلاب والاغتراب الحضاري..

فعلاقتنا بالآخر الحضاري، ينبغي أن لا تذيب ذاتيتنا وهويتنا الحضارية، وإنما ننطلق من أصالتنا وهويتنا المتميزة في تكوين صلات عادلة مع الآخر.. من هنا فإننا ندعو إلى الانفتاح على الآخر الحضاري، والاستفادة من معارفه وعلومه، لا التقليد له والأخذ بنمط الحياة لديهم، والفرق الجوهري بين الانفتاح والتقليد أن الأول ينطلق من أرضية ثابتة واضحة، تجاه قيمه وتاريخه وسياقه الثقافي والمعرفي، وينظر إلى الآخر الحضاري انطلاقا من هذه الأرضية.. عكس التقليد الذي يعني الانتقال من البيئة «بالمعنى العام» المحلية والانطلاق من ذات التربة المغايرة، ما يفقد المرء هويته الحضارية.. ويشير إلى هذه المسألة «جبران» قائلا: «كان الغربيون في الماضي يتناولون ما نطبخه فيمضغونه محولين الصالح منه إلى كيانهم الغربي.. أما الشرقيون في الوقت الحاضر فيتناولون ما يطبخه الغربيون ويبتلعونه، ولكنه لا يتحول إلى كيانهم، بل يحولهم إلى شبه غربيين، وهي حالة تبين لي الشرق تارة كعجوز فقد أضراسه، وطوراً كطفل بدون أضراس».

فالمعاصرة مطلب حضاري، بوصفها ضرورة الوجود والفاعلية والشهود في الحياة الراهنة. وهي عامل توازن يمنع المجتمع من التحول إلى ورقة في مهب الريح.. فالمعاصرة حيوية دائمة للتفاعل المستمر مع الواقع.. وإن التقدم والرقي لا يأتيان من فراغ، وإنما يعتمدان على قيم وتاريخ، وينطلقان بهذه القيم والنماذج من أجل التقدم والتطور، كما فعل الراهب «روجر بيكون»، الذي كان له الفضل في الثورتين العلمية والصناعية في أوروبا..

فالأصالة ليست رصيدا تاريخيا وحسب، وإنما هي الإرادة والقدرة الذاتية على الإبداع. والمعاصرة ليست ذوبانا في الراهن، وليست انسلاخا من الجذور، وإنما هي تفاعل مستديم مع مستجدات العصر، وحضور فاعل وحيوي مع مشاغل العصر ورفض للانزواء والهروب إلى كهف الماضي. فلا معاصرة حقيقية بلا جذور ثقافية واجتماعية، ولا جذور ثقافية حية وحيوية بدون التواصل والتفاعل مع العصر وتطوراته وتحولاته.

لذلك فإننا نعتقد أن المعاصرة ضرورة من ضرورات اجتماعنا الوطني، لكي نتمكن كمجتمع من الانعتاق من ربقة الجمود، والتخلص من أعباء الفرجة والهامشية على المستوى الحضاري..

كاتب وباحث سعودي «سيهات».