آخر تحديث: 26 / 2 / 2021م - 7:49 م

وزراؤنا لا يضحكون

محمد العباس * صحيفة اليوم

لا أدري كيف يستقبل الوزراء في السعودية سيل الانتقادات والتهكّمات اليومية لأداء جهازهم الإداري؟. فما نعرفه عادة أن الوزير في الدول الأخرى إما أن يواجه المواطنين بقائمة من الإنجازات الفعلية عبر وسائل الإعلام، أو يعترف ويقر بالتقصير ويعد بخطة استراتيجية لسد العجز في وزارته، وقد يضطر أحياناً للاستقالة إذا ما استفحل الأمر. لكن الذي اعتدناه من وزرائنا هو أن يقوموا بتكليف أصغر موظف في العلاقات العامة بمكاتبة الصحف ليكتبوا ملحوظة توضيحية لا قيمة له، وذلك تعقيباً على شكوى المواطن وسد ذرائعه.

وبسبب اللامبالاة والتقصير الوزاري المستمر تتواصل انتقادات المواطن بلا هوادة في لحظة الانفتاح والعولمة التي نعيشها. وفيما يستمر «تطنيش» الجهات المعنية بخدمة المواطن الذي يلجأ إلى تصيّد المزيد من الأخطاء والهفوات. فاليأس هو سيد الموقف الذي يدفع المواطن المقهور للسخرية والاستخفاف والتشكيك بكل ما يصدر من قرارات وزارية بعد أن فقد الثقة بإمكانية الإصلاح والتطوير. وهذا سلوك لا ننفرد به عن بقية دول العالم، لولا أن التلاسن والاستظراف في الشأن السياسي يحدث هناك من جانبين، أي من طرف المسؤولين والمواطنين، وليس من طرف واحد كما يحدث لدينا.

السياسي الناجح هو الذي يتفنن في ابتكار الوسائل للتواصل مع المواطنين، ابتداء من قدرته على التخاطب المباشر معهم، وذلك في سبيل الإنصات لشكواهم وتلبية احتياجاتهم. وهذا يستلزم في المقام الأول براعة وشجاعة الوقوف بثقة أمامهم بين آونة وأخرى.«التنكيت» السياسي ما بين المسؤول والمواطن جزء من الحياة السياسية. إذ نشاهد يومياً على الفضائيات حفلات من المواجهات الكلامية في أرقى البرلمانات الديمقراطية، وقد يصل أحياناً إلى حد الاشتباك بالنظرات والأيدي. كما أننا نقرأ عن تعليقات تهكميّة لاذعة لوزراء في إطار الرد على المحتجين. وهكذا تدور السجالات ليسجل التاريخ سيرة طابور طويل من السياسيين المتفكّهين، الذين أثروا المشهد السياسي بتعليقات ساخرة لا تقلل من شأن المواطن بقدر ما تعطيه مساحة وفرصة الرد، وبالتالي الإشتراك في الضغط على صنّاع القرار.

السياسي الناجح هو الذي يتفنن في ابتكار الوسائل للتواصل مع المواطنين، ابتداء من قدرته على التخاطب المباشر معهم، وذلك في سبيل الإنصات لشكواهم وتلبية احتياجاتهم. وهذا يستلزم في المقام الأول براعة وشجاعة الوقوف بثقة أمامهم بين آونة وأخرى. حيث قد يستطيع إذابة الجليد بينه وبينهم من خلال جملة ترحيبية تقوم على التفكّه والاعتراف والتهدئة ونقد الذات، كما تعبر عن إلمامه بالشأن العام ومجريات الحياة اليومية. وهو أمر يفتقر إليه أغلب المتنفذين في مشهدنا السياسي، إن لم يكن منعدماً تماماً.

السخرية السياسية سمة من سمات الشخصية الراقية والمتمكنة، التي تعي الحدود ما بين تحطيم معنويات الخصم والاستخفاف به وباحتياجاته. وهذه من مؤهلات السياسي التي لا يكتسبها بالصدفة، إنما من خلال مراكمة خبرات وتفاعلات تبدأ مع حملات الكر والفر الانتخابية. لأن التعاطي مع الشأن السياسي المتمثل في احتياجات المواطن يستلزم روحاً ديمقراطية عالية.

في الواقع هذا الأمر لا يقتصر على الوزراء فقط، فأعضاء مجلس الشورى مثلاً، لا نعرف كيف يخاطبون بعضهم البعض أثناء اجتماعاتهم الدورية، هذا إذا رأيناهم أصلاً. لأنهم بالنسبة لنا أشباح يتحركون ويقرون التشريعات من وراء ستارة المجلس. تماماً كما نشاهد وجوه الوزراء المبتسمة في الاجتماع الأسبوعي دون أن نسمع تخاطبهم، وكأن مهمة السياسي هي لبس البشت، وإجادة استخدام مقصات أشرطة المناسبات، و» الترزّز» لالتقاط الصور للذكرى.

ليس من المستغرب ألا يضحك الوزراء في بلادنا، وأن يمتنعوا عن التفكّه وإطلاق الدعابات الواخزة. لأنهم يخافون ربما من مواجهة الجمهور الذي لا يكف عن مساءلتهم والاحتجاج على تقصير البعض منهم. ولأنهم أيضاً لا يمتلكون أجوبة شافية، ولا يفكرون بجدية في ابتكار الحلول، كما أنهم يهابون الظهور العلني، لذلك يرسمون تلك المسافة الفاصلة ما بينهم وبين الناس لئلا تنخدش صورتهم المنحوتة بأُبّهة وانتفاخ وكبرياء داخل البشوت.

ناقد وكاتب