آخر تحديث: 13 / 8 / 2020م - 10:29 م  بتوقيت مكة المكرمة

طهارة 101

المهندس أمير الصالح *

كم كان جميلا ان نتقابل مع أبناء الحي والجيران يوميا أو بين الفينة والأخرى في مكان محدد بأوقات محددة حتى أمسينا أسرة واحدة كبيرة. كم كان جميلا عندما نتشاور عما يجب فعله إن تم معاينة مشكلة أو تشخيص أزمة أو السعي للمطالبة بجلب خدمة أو مقارعة سلوك ناشز في داخل المجتمع أو الحي الواحد.

كم كان جميلا أن يجمعنا مكان واحد دونما أي بهرجة أو تكاليف مالية أو مقاصد دنيوية أو شغف وجاهة أو تملق أو صفاقه أو تسلق.

كم كان جميلا أن نجتمع بعد أن نتطهر بالماء وبعد أن يسبغ كل منا الوضوء بالماء على وجهه ويديه حتى المرفق وينظف مخارجه ويتطيب بأجمل عطوره. المسجد كان وما يزال هو ذلك المكان الذي شُيد للسمو بالنفس والتعلق بالله وتربية الذات وصقل إنسانية الإنسان وبناء الاجتماع على أسس الطهارة والإنسانية والاحترام.

تهفو القلوب لبيوت الله كل يوم وفي أوقات مختلفة لأداء واجب الإقرار لله بالعبودية بمسمى الصلاة أو بمسمى العبادة والمواظبة عليها. إلا أن فيروس كورونا الجديد covid 19 فتك بإرجاء المعمورة وخرب كل اجتماع وبعثر الصفوف وحجب البهجة وسرق الابتسامة من وجوه الكثير من الناس حول العالم وزرع القلق. ومن حيث لم يكن يدور في خلد ايا منا في يوم من الأيام أن يتفق الأغلب من الناس بضرورة اغلاق المساجد ودور العبادة درءا لضرر انتشار ذلكم الفيروس المفترس وجلبا لمصلحة التعافي في جسد المجتمعات وحجرا للأمراض في مواطنها ومنعا لها من الانتشار.

حزنت حزنا كبيرا وتألمت كما تألم الجميع ممن اعرفهم لبيانات تعليق الصلاة في المساجد والجوامع كعمل احترازي ضد تفشي فيروس covid 19. وابكاني كما أبكى الملايين مشهد الحرم المكي فارغا من الطائفين والمعتمرين في مشهد نادر ومؤثر ومهيب. إلا أنني وبعد مدارسة عقلانية وعلى ضوء الظروف المستجدة ومراجعة أولويات الانسان، وجدت أن الصحة في قمة القائمة من الأولويات الوجودية للإنسان. بحمد الله، الطهارة تشغل حيز عبادي كبير في ممارسة الإنسان الملتصق بالصلاة. فالإنسان المصلي يعقد صلواته الخمس الواجبة بعد الوضوء بالماء. والحمد لله أن وجوب الوضوء يطال كل من يصلي ويذهب لدور العبادة. والطهارة هي المدخل الأساس للصحة. ولذا كانت ومازالت دور العبادة رمز للطهارة ولزاما على روادها العناية بالباطن والظاهر من أنفسهم. ولذا من غير الموضوعية بمكان الإشارة إلى مناطق أو مدن تتميز بدور العبادة وكثرة إقامة الصلاة حيث وجوب الطهارة على أنها السبب في انتشار وباء ما.

في واقع الحال ومع كامل الأسف يلج دور العبادة الفاسق والبار والفاجر والمؤمن والطاهر والمتسخ والسليم والسقيم. لكون دور العبادة ليس عليها رقابة على بواطن النفوس ولا على صحة الأبدان وإنما حسن الظن في روادها هو النمط العام والمتعارف عليه. بعضا من رواد دور العبادة جهلا أو غفلة أو سذاجة أو اعتقاد منه بأن مفهوم آية كتاب الله ﴿فاذا مرضت فهو يشفين هي الأعراض عن الذهاب للمستشفيات والاكتفاء بالذهاب لدور العبادة والطلب من الله العلي القدير الشفاء من خلال الدعاء فقط. وقد يكون للبعض تجارب ناجحة لتلكم الطريقة حتى بلوغ ذاك الانسان درجة الركون لهذا الفعل وإهمال الأسباب المادية في طلب التداوي والعلاج. فيطلق عليها بينه وبين نفسه أنها مجربات ذاتية ويمعن في التوقف عندها ويروج لها ويكتفي بها دون الذهاب للمراكز الصحية. وقد يكون دور العبادة الذي يزوره في حالة مرضه يحتضن ضريح وئرفات نبي من الانبياء او ولي من أولياء الله. وبالعادة تكتض دور العبادة المشتملة على اضرحة الأنبياء والاولياء بالمصلين من مختلف ارجاء العالم موسميا أو على مدار السنة كما هو الحال بالمسجد النبوي الشريف. وقد يصادف وجود احد المصلين من اصحاب المجربات الشخصية او اليقين بان الاكتفاء بولوج دور العبادة هذا أو ذاك كاف لذهاب السقم والتماثل للشفاء وانخفاض حرارة جسده. وقد يصادف انه عند ولوجه في هذه الأماكن والدور العبادية ان يحمل فيروس الكورونا الجديد وقدم بقصد التضرع لله والدعاء للاستشفاء. إذا ذلك الإنسان المقصر في الالتزام بمبادئ النظافة أو الطهارة أو السلامة وإن كان يمارس جزء منها هو من جلب التشنيع على اماكن دور العبادة.

فإذا كان الحال كذلك، فمن الشهامة الوقوف لتوجيهه ومدارسة ذلك الإنسان وليس التحريض على سلخه. ومن الأدب رفع الحرج عنه في طلب العلاج من خلال المستشفيات وحثه على طلب الأسباب في التداوي وليس كيل الشتائم له والتهديد بسلبه حقوقه. فالتعامل بالاخلاق من صلب الدين القويم ومظهر من مظاهر العدل. نعم الجهل بالشيء عند نقل الوباء لا يسقط نتائجه وما يترتب عليه من جزاء ، إلا أن ذلك ليس وقته فالجميع يأن من هجوم الوباء الذي يستشري نهشا في المجتمعات والدول.

وكذا الحال يقال في حق من سافر إلى دول متعددة ك الصين أو ايطاليا أو اسبانيا أو امريكا بقصد السياحة أو التجارة أو العلاج أو التعليم. وقد يفترض بعضهم بأن ما قد يطرأ على جسمه من تغيرات هي jet - lag . فنرجوا منهم عدم إهمال مراجعة الوحدات الصحية لتشخيص الحالة ولتلقي العلاج المناسب. وأرجو من الإخوة الكتاب الأعراض عن التحريض والتسقيط.

شخصيا متفائل جدا بأن وباء الكورونا سينقشع إذا التزم الجميع بممارسة الطهارة وطلب التداوي والابتعاد عن التجمعات ومراقبة النظافة الشخصية واستحضار خشية الله في القلب بعدم اخفاء حقائق تهدد حياة الآخرين والتزام المكوث بالمنازل. وكما قال أحد الأصدقاء ”بعض منا لا زال يخالط وبمثابرة كل طيف المجتمع فتراه يذهب للأسواق وأنت تذهب للعمل وهذا يخالط اعضاء الديوانية و ذاك لتو مصافح الممرض. وقد يكون التقاط الفيروس ممكن في أي لحظة والأعراض قد لاتبدو واضحة على من نخالط ولكن الانتشار لهذا المرض قد يصل من نحبه فنفقده“. وقال آخر: ”أنا أعرفك وأنتم تعرفوني، ولكن الفيروس لايعرفني ولا يعرفكم وهو قد يحط على جسدك أو ملابسك أو أي شيء آخر في جسدك او مقتنياتك الشخصية من نقود أو جوال أو مفاتيح وغيرها وهو سريع الانتشار كما ذكر الأخصائيون. فالزم البيت أفضل لك ولابناء مجتمعك وعليك بغسل يديك بين الحين والآخر بطريقة سليمة فهذه الممارسة هي من مقدمات وأساسيات الطهارة ومدخل الوضوء اي مستوى 101“.