آخر تحديث: 26 / 2 / 2021م - 7:49 م

الرهن العقاري وجدوى السكن

ميثم الجشي صحيفة الاقتصادية

الرهن العقاري، وإن كان شُرع للتوّ، إلا أن البنوك السعودية كانت تقرض، وما زالت، تقرض قروضاً طويلة الأجل لشراء المساكن، الذي يختلف الآن هو أن يُكتب العقار باسم المشتري، إلا أنه سيكون مسجلاً على قائمة الرهن، تماماً مثل العقارات المشتراة بتمويل صندوق التنمية العقاري.

التشريع الجديد للرهن العقاري سيكون عاملاً مساعداً وقوياً لذوي الدخل العالي، والذين يُقبلون على شراء الفلل الكبيرة أو حتى العمارات، التي ينطبق عليها كود البناء السعودي، أي إن أهم أهداف النظام هو تنظيم البيئة العقارية، وبيئة المقاولات، وقد يساهم هذا في تحجيم دور المقاولين غير المصنفين. أمر آخر، هو ضخ سيولة في السوق، ما يسهل تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وخصوصاً أن نص النظام لا يقيد بتمويل البناء، ولكنه يربط التمويل بالرهن فقط.

أما بالنسبة لتأثير النظام على أسعار العقار، فإنه شبه معدوم لعدة أسباب، منها أن مشكلة شح الأراضي الصالحة أو التي يمكن أن تكون صالحة للسكن لا يتجلى في عدم مقدرة المواطن على الشراء لتدني دخله، ولكنها تكمن في تضخم أسعار الأراضي غير المعقول والناتج عن الاحتكار. نعم، النظام الجديد ينظم الإقراض ولا ينظم سوق العقار بشكل مباشر، فيكون تأثيره على سعر الأراضي أو البيوت شبه معدوم. السؤال الأهم من وجهة نظري هو: هل هناك بنية تحتية قانونية محكمة يُستطاع من خلالها العمل بهذا النظام؟ وهل ستكون هناك محاكم متخصصة في هذا النوع من القضايا؟

من أهم الجوانب التي يجب مناقشتها في هذا الأمر هو طريقة الإقراض وسعر الإقراض. عندما يقوم البنك بإقراض العميل قرضاً شخصياً، فإنه لا يملك كضمان إلا التزام جهة عمل العميل بتحويل راتبه، أما في حالة القرض برهن العقار، فإن البنك لديه ضمان قوي لاسترداد قيمة التمويل بفوائده في حالة التعثر، أي إن القرض يعدّ مؤمناً وشبه مضمون. ولكن هل ستقوم مؤسسة النقد بتأسيس نظام لتحديد سعر إقراض منطقي؟ عندما نقول ''منطقي'' هنا نعني أن تنعكس درجة أمان القرض على سعر الإقراض وطريقة حساب الفوائد إيجابياً لصالح المقترض؟

نظام الرهن العقاري بحد ذاته ليست له انعكاسات سلبية على السوق بل بالعكس، أما القائلون إن الناس ستقترض وستشتري بأسعار خيالية، فهم مصيبون، وسوق الأسهم خير دليل، ولا أعتقد أننا سنستمتع بهذا التشريع أكثر من سنتين في أحسن الأحوال قبل حلول كارثة ديون جديدة مماثلة للكارثة الأمريكية، لأنه وبكل بساطة، ستتضخم أسعار العقار، وستصل إلى درجة غير قابلة للزيادة، كما ستصل البنوك إما إلى درجة التشبع بهذه النوعية من القروض، أو إلى درجة الإحجام عن الإقراض لوصول التضخم إلى ذروته، عندها ستبدأ الأسعار بالنزول، وستبدأ بعض البنوك ببيع العقار المرهون لتجنب انخفاض قيمته، هذا إذا لم تفلس، وسيتحتم على الحكومة التدخل مرة أخرى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

إن الاقتصاد هو نظام متكامل دائري، أو بمعنى آخر قيمة كلية، إما أن تنظم كل جوانبه بتشريعات تناسب كل جانب من جوانب الاقتصاد، أو أننا سنصحو على مصائب اقتصادية كل يوم. العيب هنا ليس في نظام الرهن العقاري، بل العيب في الأرضية التشريعية للاقتصاد السعودي بشكل عام. وكما هو في الولايات المتحدة، لم يكن الخلل في نظام الرهن بل في طريقة إدارة البنوك لهذه القروض، على الرغم من أن كل التشريعات التي تحكم العمل المصرفي هناك، وقعت الكارثة وأفلست بنوك، وتعثرت أخرى، وما زالت الفضائح المصرفية مستمرة.

ليس من مصلحة أحد في هذا البلد التهاون في النظر لهذه المشكلة، علما بأننا لم نتطرق في هذا المقال لمضاعفات أزمة السكن السياسية والاجتماعية، التي لن تكون أقل من المضاعفات الاقتصادية. يجب على المشرع الاقتصادي والسياسي إعادة هيكلة شاملة قانونية واقتصادية لما يتعلق بموضوع الإسكان وطرق تمويله، حتى لا نقول بعد أقل من سنتين ''يا ليت اللي جرى ما كان''.