آخر تحديث: 9 / 4 / 2020م - 10:51 م  بتوقيت مكة المكرمة

السلاح البيولوجي بين الحقيقة والمؤامرة‎

حسين آل هويدي *

هناك اختلاف في الآراء بين الأكاديميين وكذلك أهل الخبرة في مجال الأمن على أيهما أخطر فتكا السلاح النووي أم السلاح البيولوجي؟ لا يسعني المقارنة بين الإثنين في مقال صغير ولكني سأكتفي بذكر بعض الفروقات الأساسية: الانفجار النووي محدود المساحة والمكان نوعا ما والآخر لا يعرف حدودا في الانتشار، والفارق الثاني أن الأول معلوم الفاعل والثاني مستترا، ولكل من الإثنين عواقب وخيمة على الإنسانية وقد تطول البيئة إذا كانت متمثلة في الإشعاعات النووية، ناهيك عن التبعات السياسية والاقتصادية الخطيرة وكذلك الاجتماعية، لعل أغربها ارتفاع معدلات الطلاق إبان الحجر الصحي.

انتشار فيروس كورونا المعروف ب COVID - 19 السريع أثار فضول الكثير من الناس لمعرفة سبب هذا الانتشار المخيف، ولذلك نظرية المؤامرة في انتشار هذا الفيروس التاجي أخذت حيزا لا بأس به بين الكثير من طبقات المجتمعات العالمية باختلاف ثقافاتها وخلفياتها. هنا لا ألوم هذه الفئات المصدقة لنظرية المؤامرة لأن كثرة الشائعات المخيفة وشبه انعدام اليقين معرفيا بخصوص هذا الموضوع تأثيرهما ليس ببسيط، كما أن موضوع السلاح البيولوجي في أساسه قائم على منهج السرية ولا توجد به شفافية بين الدول، وهذا يفسر لنا سبب ضعف اتفاقية منع الأسلحة البيولوجية مقارنة بأخواتها النووية والكيميائية. ومما يجعل نظرية المؤامرة تنشط حتى بين الدول هي أن اتفاقية منع الأسلحة البيولوجية تسمح للدول بإجراء البحوث الدفاعية للتصدي لأي هجوم بيولوجي محتمل سواء كان طبيعيا أو مصنع في المختبرات وهذا كفيل بجعل الشكوك بين الدول متواترة لأن الدول لا تفصح عما يدور في مختبراتها. بالإضافة لذلك، الاتفاقية تفتقر إلى آلية تحقيق رسمية للتعامل مع الانتهاكات.

صحفية سألت الرئيس الأمريكي ترمب ”لماذا أنت مستمر في تسميتك للفيروس بالفيروس الصيني؟ ألا تظن أن هذا عنصريا؟“ فكان جواب الرئيس بأنه لا يسمح للصين أن تتهم جنوده بنشر هذا الفيروس. منذ بداية الأزمة أكثر الشائعات نصيبا هي أن الفيروس مصدره من مختبر موجود في مدينة ووهان الصينية فانتشر هناك لخروجه من المختبر بوسيلة ما «هذه الشائعة تستخدم ضد الصين للتقليل من شأنها في لوائح السلامة الحيوية وبالتالي هي دولة متخلفة». والشائعة الثانية هي أن الجند الأمريكي هو المتسبب في نشره في مدينة ووهان «هذه الشائعة تستخدم ضد الولايات المتحدة الأمريكية على أنها مصدر الشر في هذا العالم وبالتالي التقليل من مصداقيتها». انعدام الثقة بين البلدين «الولايات المتحدة والصين» هي أحد أسباب انتشار هذه الشائعات الحالية والتي تتحول حكايتها بين الشعوب على أنها مؤامرة.

الصين رفضت السماح لخبراء أمراض أمريكيين الدخول لمدينة ووهان مع بداية الأزمة كما أن الولايات المتحدة لا تسمح للعلماء الصينيين الدخول في معاملها البيولوجية الدفاعية، هذا النوع من السياسة لعب دورا في تقويض الجهود المبذولة بين الدول لاحتواء انتشار الفايروس في وقت لا يحتمل ذلك. البشرية بحاجة ماسة للتضامن والتعاون والوقوف جنبا بجنب للحد من انتشار هذا الفيروس.

تعرضت الصين لجرائم حربية بشعة بأسلحة بيولوجية من قبل وحدة 731 «Unit 731» بقيادة الجيش الإمبراطوري الياباني في الفترة بين عام 1937 - 1945. وحدة 731 تسببت في قتل الآلاف من الصينيين. هذا النوع من الجرائم بحق الصين جعلها أكثر حذرا واهتماما في التعامل مع موضوع السلاح البيولوجي وذلك بتعزيز قوتها الدفاعية لمواجهة أي هجوم بيولوجي محتمل. أما على المستوى الدولي فلطالما دعت الصين إلى الحظر التام والتدمير الشامل للأسلحة البيولوجية وتتبع سياسة عدم تطوير أو إنتاج أو تخزين هذا النوع من الأسلحة. هذا لا ينفي أنها لا تمتلك برنامج هجومي صغير لصنع الأسلحة البيولوجية كما تشير بعض الجهات، لكن الأهم في الموضوع أن من يعرف موقف الصين الحذر يعرف أنها لا تملك الحوافز لتطوير هذا النوع من السلاح، هي تركز أكثر على تطوير قوى الردع المباشرة والقوية مثل السلاح النووي وأدوات إيصاله مثل ال «hypersonic». وبالتالي تفند نظرية تسريب هذا الفيروس من أحد مختبراتها.

أما المراقب للأحداث السياسية الداخلية الأمريكية والمدقق في تفاصيل طريقة تعامل إدارة الرئيس مع الأزمة يستنتج أن انتشار هذا الفيروس ليس من صنع الولايات المتحدة الأمريكية. المبلغ المطلوب الحالي لمواجهة هذه الأزمة تجاوز التريليون دولار، فأي منطق يجعل من دولة بحجم الولايات المتحدة تخاطر باقتصاد بلدها من أجل نشر فيروس لكسر شوكة دولة تعدها منافس لها ومن ثم يرجع إليها الفيروس وتتورط في التعامل معه؟ تزعم الولايات المتحدة الأمريكية أن طبيعة مختبراتها العسكرية البيولوجية ”دفاعية“، فلو كان فعلا انتشار الفيروس بسببها، لما واجهت الولايات المتحدة الأزمة التي تمر بها الآن من انتشار للمرض لأنها ستكون مستعدة له مسبقا، ولم يخصص مبلغ ثلاثة مليار دولار من أجل صنع لقاح مستعجل. ولو نظرنا للموضوع من جانب عسكري، سنجد أن المسؤولين العسكريين لا يحبذون استخدام السلاح البيولوجي لأن تبديده صعب. وبالتالي فإن نظرية نشر الفيروس على أنه عمل عسكري أمريكي لا صحة له.

ووفقا لرأي علماء الصحة حسب ما ذكرته صحيفة لانسيت في تقرير لها أن طفرات الفيروس تتوافق تماما مع التطور الطبيعي واستنتجوا وبشكل ”قاطع“ أن الفيروس التاجي نشأ في الحياة البرية وبالتالي تسقط نظرية المؤامرة.

ماجستير في دراسات منع الانتشار النووي والإرهاب