آخر تحديث: 8 / 8 / 2020م - 11:03 م  بتوقيت مكة المكرمة

قصة قصيرة: ملاحقة مخيفة

جهينة الإخبارية تأليف الثنائي الروائي: منصور جعفر آل سيف - نجيبة السيد علي

عندما سمعت أول مرة من أستاذ مادة العلوم الأستاذ ”محمد فوزي“ وأنا في السنة الأولى متوسط عن الجراثيم والميكروبات والڤيروسات، شعرت فجأة أن الجراثيم تلاحقني، خرجت ذلك اليوم من المدرسة مشوش البال، أسئلة كثيرة تطاردني، أصحيح ما يقوله الأستاذ عن تلك الكائنات غير المرئية بالعين المجردة؟ أصحيح أنّها تفتك بجسم الإنسان؟ أصحيح أنّها تسبب لنا الأمراض من حيث لا نشعر بها؟

يالها من كائنات بسيطة وخطيرة في آن واحد! وربما كان بعضها مفيداً كما قال الأستاذ، لكن تلك الفائدة لا تعادل شيئاً بسيطاً أمام قوتها التدميرية وتسببها لأمراض السلّ والجدري والكوليرا، المشكلة أنها منتشرة في كل مكان، في الماء في التراب، على الأشجار، على الفواكه والخضار، وعلى الأيدي وفي كل مكان.

مشيت مطرق العينين إلى أديم الأرض، مسروق الحواس، خطواتي بطيئة مثقلة بالكآبة، رفعت عينيَّ هنيئة وإذا بعجوز يمشي متكئاً على عكازته، كان في الزقاق الذي وصلت بمحاذاته، لمحته من بعيد، كانت بيني وبينه علاقة احترام متبادل، شُلَّت خطوات العجوز إثر هجمة سعال متواصل داهمته، شعرت بأن رذاذ سعاله يتطاير فيما حوله ليملأ الزقاق بتلك الكائنات. تمتمت دون أن أشعر:

- يا دافع البلاء يا الله.. أرجو أن أرجع لكي لا أتجاوزه من دون سلام، لكنّه لمحني كما لمحته، وبانت نواجذه المهشمة عن بسمة طيبة، تظاهرت بالاستعجال في مشيي ماراً عليه مسلَّماً من بعيد دون مصافحة، لكنّه كان مصراً على مصافحتي، أشار إليَّ أن أنتظر لحظة ريثما يتمالك نفسه ويتوقف عن السعال، بصق على الأرض عدّة مرات، مسح فمه بيده اليسرى حيث كان متكئاً على يمناه مصافحاً، صافحته بيد باردة لا تكاد تضم راحتها، ربما أثار الأمر استغرابه فاعتذرت بسرعة بأنّي على عجلة من أمري لقضاء حاجتي وتظاهرت فوضعت يدي على بطني، تبسم وقال:

- إذاً إلحق نفسك.

تمتمت متأثراً:

- فعلاً يجب أن ألحق نفسي وأهرب من هذا الجو المكهرب بالجراثيم والميكروبات.

انصرفت على عجل، كنت كالخارج من زوبعة الدخان والغبار.. يا إلهي لقد قال الأستاذ إنها تتأثر بسرعة وبالملايين وتنتقل من شخص مصاب إلى آخر.

ارتعدت فرائصي خوفاً، سعلت لأجرّب إن كانت الجراثيم قد وصلت إلى صدري ورئتي، خلت أن خرخرة تشبه خرخرة صدر العجوز قد اختلطت بسعالي..

لكني ما لبثت أن شعرت بالذنب إذ كيف أتصرف مع رجل طاعن في السن هكذا فأفر منه فرار المرء من أسدٍ بسبب مخلوقات لم أرها ولم أحسّها ولم أشمها، تمتمت بكلمات الاستغفار وسط هواجس مازالت متّقدة.

وصلت البيت، وبالي كان مشغولاً بالصابون الذي سأستعمله لكي أغسل يديَّ وربما كل جسمي، لكن يا للأسف فالماء كان مقطوعاً، قالت أمّي وقد لاحظت حيرتي وحزني:

- خذ إليك هذا الصابون، إذهب لجدول ماء البستان لتغسل يدك وخذ هذه الأواني لتغسلها معك.. فماؤه جار كالبحر..

كان الجدول متسعاً طولاً وعرضاً، وخرير مياهه يختلط بصوت النساء وهدير الأطفال، الماء الصافي يجري بقوة نابعاً من العين الكبيرة بوسط البلدة، ورغم صفاء الماء النابع إلا أن بعض الأوساخ والقاذورات كانت تطفو على السطح فهنا تجد عصا معترضة أو فردة نعل ممزقة، وهناك قشوراً من الفاكهة أو علباً فارغة.. وعلى ضفتي الجدول الكثير من الشب الأسود كأنّه صوف ماعز، ومع ذلك فالنساء يغسلن الأواني والملابس وبعض المواد الغذائية ومخلفاتها تسبح يميناً وشمالاً لتزيد في تعكير صفائه.

بمحاذاتي جلست امرأة اتشحت بالسواد، وضعت قفة بها إرز وصارت تفرك فيه بكلتا يديها فالماء يصعد إلى القفّة ويخرج مشفوعاً بنظرة رضاً ساذجة، أخرى كانت تحمم ابنها ذا السنوات الثلاث، تغطسه في الماء ثم تخرجه ضاحكاً، كدت أصرخ في وجهها:

- لا تقتلي ابنك بهذا الماء الملوث بالجراثيم، لولا أن ضحك الطفل قد ردَّ صرختي إلى أعماق حنجرتي. لبثت وقتاً غير قصير لكني لم أستطع لمس ذلك الماء عوضاً عن غسل الأواني فيه. استقبلتني والدتي:

- أين الأواني التي غسلتها؟ أريد أن أعدّ المائدة.

رددت واجماً.

- لم أغسلها.

- هل كان الجدول مزدحماً بالناس إلى هذه الدرجة؟

- كلا لم يكن مزدحماً.

- فلِمَ لم تغسلها إذن؟

وضعت الأواني على الأرض، أجبت وأنا أمسح يديَّ بثوبي الفضفاض:

- ماء الجدول ملوث يا أمّي.. إنّه ملوث.

- ملوث.. غير معقول.. هذا الصباح كنت هناك وقد غسلت فيه الإرز والإيدام.. كان جارياً كالبحر.

- ماذا يا أمي.. إنّها مصيبة، أتغسلين الأرز والأيدام بماء الجدول!! غير معقول فغداؤنا إذا ملوث.

- سم بالله الرحمن، ما بك يا بني؟ قلت لك غسلته بماء الجدول الجاري كالبحر.

- حسناً، أنا لن آكل من هذا الغذاء.

كان قراري ذاك قد أزعجها، حاولت أن تقنعني لاوربما تأخد بخاطري، لكن والدي قطع عليها قائلاً:

- اتركيه، لا تتعبي نفسك معه، فهو لم يعد طفلاً.

تركت البيت قاصداً خباز القرية الذي يقع في السوق، بطني الخالي يقرقر ويمنيني بأقراص ساخنة من الخبز العربي الشهّي. مررت على طريق البساتين وكعادتي لا أبرح ذلك الطريق حتى أتلصص النظر في جمالها المتبرج، صرت أرى أحد المزارعين كان قد انتهى لتوّه من عملية الخرف، نزل عن النخلة والمخراف فوق رأسه فيها أكوام الرطب، وكعادة المزارعين في بلادنا فإنه عندما اقترب إلى مجموعة من المارة، أنزل المخرفة من رأسه داعياً لهم بالتذوق فتحلقوا حول المخرفة، كنت محاذياً لهم فدعاني الفلاح، لكني لم أكن مهيئاً نفسياً للأكل من ذلك الرطب الذي لم يغسل بعد واختلطت عليه الأيدي قلت:

- شكراً فأنا لا اشتهي،

قال أحدهم:

- كُل فإنه لا يرد الكريم إلا اللئيم.

تمتمت في داخلي:

- إما أن أملأ معدتي بالجراثيم أو أكون لئيماً.

مددت يدي على مضض، أخذت واحدة من رطب الإخلاص الأصفر الشهي.. كانت الرطبة مغبرة، جعلت أنظفها بيدي، قال الفلاح:

- ماذا تعمل؟ كلها بغبارها فالرطب حلاوته بغباره كما يقولون!

أجبت ممتعضاً:

- لعلهم يقصدون المعنى المجازي كناية عن أكله طازجاً لأن النظافة من الإيمان والأحاديث تحثنا على غسل كل شيء وعلى النظافة بشكل عام.

حسبت نفسي سأستطرد وأشرح لهم ما قاله مدرس العلوم اليوم لكن على ما بدا لي لم يكن الحديث يروق لهم، قاطعني أحدهم:

- وهل تتعلمون هذا في المدرسة؟

- نعم، لماذا؟

رد مشجعاً وهو مازال مشغولاً بأكل الرطب:

- جميل قواكم الله على طلب العلم.

ومع ذلك فقد أكلت الرطبة، شكرتهم وانصرفت، وصلت الخباز، رائحة الخبز العربي تزيدني جوعاً ورغبة في الأكل، تمتمت في سعادة:

- الحمد لله، لا زحمة مثل الصباح.

ثلاثه كانوا ينتظرون دورهم، كان العجين مكشوفاً على الطاولة قرب التنور، ترتفع الطاولة عن الأرض حوالي ثلاثين سنتيمتراً، الخباز ومساعدوه جالسون على الأرض أرجلهم تحت الطاولة، توقعت أن أجد بعض الذباب لكن لم أجد ولا ذبابة واحدة، ربما لأن المكان كان متوهجاً من حرارة التنور في جو خارجي تزيده أشعة الشمس حرارة ولهيباً. تمتمت: - - من يدري فلعل الجراثيم هي الأخرى لا تستطيع العيش قرب النار! وربما ارتاح بالي لذلك الخاطر.

كان الخبازون يستعملون أيديهم في العجن والخبز في التنور باستعمال الملزقة، راقبت الخباز الذي يستعمل الملزقة ويقاوم حرارة التنور ليضع العجينة داخله، كانت يده ملساء خالية من الشعر تماماً، وقطرات غزيرة من العرق تسيل من الخباز وقد تصل إلى العجينة فتختلط بها أو تسقط على الخبز، لكني أطرقت برأسي أرضاً ربما كنت أفضل التغاضي عن ذلك.. فالجوع لا يرحم.

عدت إلى البيت، انتابني شعور مخيف، أحسست أني أعيش في جحيم من الجراثيم والميكروبات، وددت لو غسلت البيت بما فيه، الأبواب، النوافذ، المقابض، قطع السجاد، الآنية، الملابس كل شيء.. كل شيء إنها معركة حامية الوطيس ضد هذه الكائنات الخفية المنتشرة في كل مكان، لكن للأسف الماء كان ما يزال مقطوعاً، رفست حنفية الماء بقدمي متذمراً، قلت في غضب:

- ما أراد الانقطاع إلا اليوم الذي أكون في أمسّ الحاجة إليه.

كان واضحاً أن أبي يراقبني، قال:

- خيراً إن شاء الله، ماذا حدث لك؟ من المفترض أن تكون والدتك من يغضب ويزمجر لانقطاع الماء!

أجبت بصوت عاد إليه بعض الهدوء هيبة من والدي:

- إنّها لا تمتعض لأنها لا تعرف شيئاً عن الجراثيم والميكروبات وانتشارها الخطير في كل شيء، لقد جعلتكم تأكلون غذاءً غسلته بماء الجدول الملوث.

أوقفني والدي، قال:

- مهلاً.. مهلاً.. هوّن عليك.. هل جاءت الجراثيم التي تذكرها اليوم فقط.

أجبت مستغرباً من سؤاله:

- بالطبع لا.. فهي موجودة لكني لم أعرف عنها إلا اليوم.

وضع يده الخشنة على كتفي وقال:

- الماء الذي تدّعي أنّه ملوث، عشنا عليه سنين طويلة، كنا نشرب منه ونطهو به، نغسل فيه الأواني وكل شيء، هل رأيت العين الكبيرة التي تصرف لهذا الجدول، كانت كل شيء في حياتنا قبل ظهور العيون الارتوازية.. ولم نجد فيها ولا جرثومة واحدة من التي تدّعيها؟

ضحكت، قلت:

- إنها لا ترى بالعين المجردة، لكنّها بالتأكيد تسبب الأمراض.

- وليكن، فقد عشنا أقوى بنياناً منكم وأقدر على التحمّل، بني اترك عنك هذه الهواجس، ولا تجعل الوسواس يأخذ بك بعيداً!

جفلت عندما ذكر لي الوسواس، فقد كنت فيما مضى أشفق على الوسواسيين الذين يصرّون على تكرار غسل الأشياء!

******

في اليوم التالي كنت في فصلي الدراسي ثانية، لكن بوجه تنقصه الحيوية، قال أستاذ العلوم:

- ما بك يا علي سعيد؟ لِمَ تبدو شاحباً؟

كانت نظرات زملائي منصبة عليّ، قلت مشفقاً على نفسي:

- إنّه الدرس الذي شرحته بالأمس يا أستاذ.

- ما به؟ ألم تفهمه جيداً إني مستعد لإعادة الشرح!

- لا.. بل فهمته جيداً، لذا خرجت من المدرسة وأنا أشعر بأن الجراثيم تلاحقني في كل مكان..

صرت أعدد له المواقف التي عرضت لي وهو يقابلني بضحكٍ لا أفهم أسبابه، قال بصوتٍ عالٍ التفت إليه كل الطلاب:

لقد كانت معلوماتك ناقصة يا علي سعيد. صحيح أن الجراثيم منتشرة في كل مكان، لكن هناك جهازاً أودعه الله بقدرته في جسم الإنسان يسمى جهاز المناعة، مهمته مقاومة الجراثيم يا علي!

ماذا يحدث في عملية التطعيم أو التلقيح ضد الكوليرا والجدري وغيرهما من الأمراض؟

قلت مستفهماً:

- لا.. لا أعرف.

ردَّ موضحاً بالطريقة نفسها في شرح الدرس:

- إنهم يزرقون الجسم بتلك الجراثيم أو الڤيروسات الضعيفة نفسها لكي تحفز الجهاز المناعي للمقاومة والدخول معها في صراع، ولأنها ضعيفة فإن الجسم يتغلب عليها لتتكون لديه مناعة قوية ضد تلك الجرثومة.

وما عليك إذاً إلا أن تقوي جهاز المناعة لديك ببعض الأغذية المساعدة.

قلت مقاطعاً:

النظيفة طبعاً.

ضحك وضحكت معه ثم علقت:

- إذا مناعتنا لابد وأن تكون قوية رغم هذه الجراثيم المنتشرة.

يومها خرجت لا كما دخلت. كنت منفوخ الصدر، أشعر بالقوة والقدرة على مقاومة الجراثيم رغم أنّي لا أراها.

تمت