آخر تحديث: 18 / 9 / 2020م - 10:18 م  بتوقيت مكة المكرمة

الشائعات الكورونية

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن

يطل علينا فيروس كورونا ليختبرنا وليدرس ردود أفعالنا، هناك خلف حدود العزلة والحجر المنزلي، وتحت تأثير هاجس الخوف والهلع أصبحنا لا نصدق أي شيء، ونصدق كل شيء في الوقت ذاته، نلف وندور بين القيل والقال، اتخذت الشائعات الكورونية لدينا مكانها الأقوى في تصنيف الأخبار الكاذبة، وصارت تسير أمورنا، نستقبلها ونرسلها في العالم الافتراضي دون أي جهد منا للتحقق والتثبت، نعم، إننا شعوب شفوية، نردد ونكرر ونجتر الكلام اجترارا، نثق بالمنقول ثقة عمياء، نأخذ معلوماتنا شفاهة من صوت مجهول، تتجلى تلك الحقيقة في حياتنا اليومية، خاصة في هذه الفترة، وكأننا نتابع سباقا ماراثونيا «كورونيا» في نقل ونشر الشائعات، والتي تنطلق عندنا كما النار في الهشيم، تلك النار المرادفة للجهل، تلك التي لا تميز فتأكل كل ما حولها وتنتهي بأن تبتلع نفسها. وفجأة تأتي الصحف الرسمية الموثوقة وتخبرنا بالرد: «كشف مصدر مسؤول أن ما تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي غير صحيح»! السؤال هنا: هل سنرتدع؟ الجواب: لا، لأننا نعشق المنقول أكثر من المكتوب، ولعل كلمة إبراهيم البليهي حول ما سماه «علم الجهل» أو «بنية الجهل»، شاهد حي على ما نقول، أي عندما يقترن الجهل بوهم امتلاك الحقيقة، أصبحنا متآلفين مع الشائعات وكأنها الحق المحض، وهنا لا يكون الإنسان جاهلا فحسب، بل بينه وبين الحقائق حواجز نفسية وحجب تمنعه من المراجعة، وتقنعه بسلامة ما هو مستقر في دماغه، المشكلة كل المشكلة ليست في الجهل بحد ذاته، بل في توهمه علما. قبل أيام وجّهت النيابة العامة بالقبض على أحد مروجي الشائعات عن فيروس «كورونا»، وطالبت بعقوبات مشدّدة تجاهه، حيث تم القبض عليه، وانتهى التحقيق معه بتوجيه الاتهام له بإنتاج شائعات وأخبار مجهولة المصدر ماسة بالنظام العام متعلقة بفيروس «كورونا».

من الأهمية بمكان التأكيد على ضرورة تفعيل الأنظمة المعنية بمكافحة الجرائم المعلوماتية، إذ إن ترويج الشائعات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لا يزال مستمرا، وعلى نطاق واسع، وبالرغم من صدور هذا النظام، ووجود عقوبات مشددة فيه، إلا أن الشائعات لا تزال تتردد بقوة عبر مواقع «واتساب» و«تويتر» و«فيسبوك» وغيرها من المواقع الإلكترونية. ويرجع استمرار ترديد البعض للشائعات وتداولها إلى جهل البعض بهذا النظام، لذا يجب تسليط الضوء على هذا النظام بشكل كافٍ، إذ إن وسائل التواصل الاجتماعي تحولت بشكل كبير إلى مصدر أساسي للشائعات، لا سيما عندما يتم استخدام الصور والفيديوهات الملفقة والمفبركة كإحدى الأدوات في هذه العمليات. ويخضع بث هذه الشائعات وتداولها لعقوبة السجن مدة لا تزيد على سنة، وغرامة لا تزيد على 500 ألف ريال طبقا للمادة الثالثة من نظام مكافحة جرائم المعلوماتية، لأن محتواها هو التشهير، وقد يندرج تحت المادة السادسة حسب محتوى الشائعات. وعقوبتها السجن مدة لا تزيد على 5 سنوات، وغرامة لا تزيد على 3 ملايين ريال.

أخيرا أقول: جاء الفيروس ليعلمنا أن نعيد النظر في طريقة تفكيرنا وكأنه يقول لنا: الصمت والسكون هما خير لكم من هذا التناقل الشائعي الذي لن يورثكم سوى الهلاك.