آخر تحديث: 30 / 10 / 2020م - 6:15 م

متشائمون في غمرة الوباء... لكنني متفائل

الدكتور توفيق السيف * صحيفة الشرق الأوسط

قرأت اليوم مقالاً للمفكر الأميركي نعوم تشومسكي، تناول التأثير الكارثي لوباء «كورونا» على حياة الناس. وينتهي المقال متفائلاً بانتصار البشرية على الوباء. لكن التشاؤم كان طاغياً على معظم مقال تشومسكي. ويظهر أن تشاؤمه ناتج من أن بعض قادة الدول الكبرى لا يبدون مكترثين بالمصير الواحد لسكان الكوكب، قدر اهتمامهم بأن ينجحوا كأشخاص، كي يحتفظوا بكرسي السلطة.

وجدت نفس الانطباع عند الروائية الهندية الشهيرة أرونداتي روي، التي أبدت ألمها من انعكاس الكارثة على ملايين العمال الفقراء في مدن الهند الكبرى، الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها، بلا مال ولا عمل ولا مسكن ولا طعام، ولا قطار يركبونه كي يرجعوا إلى أهلهم في الأرياف البعيدة، ولا أحد يحتمل رؤيتهم، فضلاً عن مد يد العون لهم في هذه المحنة. إن الصورة التي ستبقى في ذاكرة العالم عن حكومة الهند الحالية، هي تلك التي تظهر فريقاً من رجال الشرطة يجلدون المشاة بعصيهم الغليظة، كي يتحركوا بسرعة إلى خارج المدينة.

مثل تشومسكي، يستذكر هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأميركي الأسبق، أجواء الحرب العالمية الثانية، قائلاً إن التأخر في احتواء الوباء، لا يهدد فقط التعاون الدولي، بل يهدد أيضاً العقد الاجتماعي للبلدان الكبيرة أو التي تعاني أصلاً من انقسامات، مثل الولايات المتحدة وأوروبا.

لاحظت أن غالبية المفكرين الذين سئلوا عن توقعاتهم، كانوا متشائمين تجاه وضع العالم بعد تلاشي وباء «كورونا». هذا على الأقل أبرز استنتاج خرجت به من قراءات مكثفة خلال الأسابيع الخمسة المنصرمة. لكني أجد من اللازم إخباركم بأني ما زلت متشككاً في المبررات التي يعرضها أولئك المفكرون، رغم القيمة الرفيعة لوجهات نظرهم والأدلة التي يستندون إليها.

أعلم أن الإسبان والإيطاليين لم يكونوا سعداء بتعامل شركائهم في الاتحاد الأوروبي، وأن الولايات المتحدة تريد معاقبة الصين، بحجة كتمانها حقيقة الوباء في بداياته. أتابع أيضاً التجاذب الإعلامي بين الرئيس الأميركي وحكام الولايات، حول مسؤولية كل طرف عن التصدي للكارثة وانعكاساتها. وفوق هذا وذاك، أعلم أن أول إجراء اتخذته حكومات العالم، هو إغلاق حدودها ومحاولة حل مشكلاتها بنفسها. وهذا منهج عمل كان العالم قد تخلى عنه في العقدين الماضيين، لصالح منظور كوني للمشكلات والحلول.

إني غير مقتنع بدواعي التشاؤم لأسباب ثلاثة؛ أولها أن تيار العولمة بات أسلوب معيشة وعمل على امتداد العالم، بحيث لا يمكن إلغاؤه بقرار. أما الثاني فهو أن الميل للانكفاء على الذات في المجتمعات التي ضربها الوباء، قابلته في ذات الوقت مبادرات دعم دولي، بدوافع مختلفة. من ذلك مثلاً إرسال روسيا كتيبة الحرب البيولوجية، لتعقيم مدن الشمال الإيطالي. وقد حظيت هذه القوة بترحيب تجاوز المتوقع. وحصل مثله في صربيا أيضاً. أضف إليه المساعدة التي قدمتها كوبا والصين ومصر للدول المصابة بالوباء. هذه المبادرات وأمثالها لن تكون بلا نتيجة، وآلام اليوم ليست نهاية الطريق.

أما الثالث فهو التجربة التاريخية. إن أطراف الحرب العالمية الثانية، هم أنفسهم رواد الانفتاح والتعاون الدولي منذ نهاية الحرب حتى اليوم. المؤكد أن هذه السياسات استندت إلى حاجات اقتصادية إضافة إلى مشاعر إنسانية. فلماذا نستبعد حراكاً مماثلاً اليوم؟ إن مآسي «كورونا» ليست أضخم من مآسي الحرب الكونية، وآلامها ليست أعمق من تلك الآلام، فلِم نتشاءم وأمامنا تجربة تنبض بالحياة؟

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.