آخر تحديث: 23 / 1 / 2021م - 1:21 م

In God We Trust

المهندس أمير الصالح *

انطبعت جملة ”في الله نثق“ والمكتوبة على النقد الورقي والمعدني للدولار الأمريكي في ذهن الملايين من الناس حول العالم منذ عقود خلت. لن اتعرض عن الأسباب التي جعلت العملة الأمريكية تحمل هذا الشعار إلى يومنا هذا فهذه قصة جميلة ولها سرد آخر وفيها ابعاد لا تمت للدين بصلة وإنما في أحد تشعباته اكانت تشنيعا بالاتحاد السوفيتي السابق ودولة الصين أبان المد الشيوعي. الا ان جائحة وباء كورونا الحالية كشفت تناقضات الادعاءات المتضاربة بشكل مروع ويقين ملموس وانفصال الممارسة من الادعاء لدى الكثير من الناس في كثير من المناطق. حول العالم. لن اتحدث عن المال او العملات ولا سيما في تجار العقائد او الأيدولوجيات والشعارات البراقة. في هذا المقال، سأتكلم عن بعض المواقف التي حدثت لي. في بعض. مناطق حول. العالم وتنم عن سلوكيات أصحابها واترك كامل الحق للقارئ الكريم في خلق الرابط بين تلكم المواقف واستخلاص ما يود ان يستخلصه بعقله الرزين وتفكيره المنطقي.

الموقف الاول:

عام 1996، ذهبت لمنطقة تُدعى هاكوني اليابانية Hakone حيث تشتهر تلك المنطقة بتواجد الينابيع الكبريتية الساخنة. منطقة هاكوني تقع على بعد حوالي مائة كيلومتر غرب العاصمة اليابان، طوكيو. هنالك وبعد ان دفعت رسوم الدخول لاحد المسابح وقدر الرسوم للشخص الواحد 1000 ين ياباني اي ما يعادل 10 دولار، يومذاك. فوجئت بعد دخولي للمسبح المفتوح وجلوسي في أحد البرك المتناثرة والمعدة للاستحمام وتنقيع الجسد، فوجئت بتصويب انظار كل الحضور من السباحين نحوي. اوجستني الخيفة نوعا ما لكوني الوحيد الغير ياباني هنالك ونزيل مستجد على الثقافة اليابانية واليابانيون ولا أدرك سبب تصويبهم الأنظار نحوي. وكنت الوحيد المرتدي لسروال السباحة وأما الآخرين، وبدون غيبة لهم والله يستر عليهم، كانوا من دون اي ملابس. اي سمط لمط. ولم اعلم بان من اشتراطات السباحة في مسابح البرك الكبريتية الساخنة هنالك هي ان يكون المرتاد لها يولج كما ولدته أمه لكون الشروط مكتوبة باللغة اليابانية على لوحة ومثبته عند المدخل. والمسبح عبارة عن مجموعة من البرك الكبريتية الحارة الصغيرة المتناثرة والمتجاورة وفي الهواء الطلق. تجاهلت نظرات اليابانيين المحيطين بي في برك السباحة المجاورة للبركة التي غمست جسدي بها وكنت وحيدا في تلكم البركة. وحاولت ان استمتع بوقتي متأملا الاشجار والسماء تارة وزقزقة العصافير والبلابل تارة اخرى. فالبرك مفتوحة على السماء حيث الطبيعة والأشجار وحفيف الرياح المداعبة للأشجار. فجأة اقترب نحو مكان جلوسي رجل كبير في السن واشار نحو سروالي وقال بضع كلمات لا افهمها وهو في حالة غضب. لم أرد عليه وتجاهلته. وبعد مضي بعض الوقت، رجع ذات الرجل الكبير في السن وأخذ يرعد ويزمجر قائلا بعض الجمل اليابانية بصوت مرتفع ومشيرا نحو صروالي، ثم ادار بأصبعه نحو المخرج وقال كلمة مفادها ”انصرف إلى هناك“. التقط سمعي من كلام الرجل، كلمة يابانية ”دآميهَ“ وحسب فهمي للمعنى الحرفي لتلكم الكلمة اليابانية حينذاك، تعني ”ممنوع / محظور / لا يجوز“. فقلت لذاك الرجل: ”هل بالإمكان ان تعلمني ما تريد مني متحدثا اياي باللغة الانجليزية“. سكت ولم ينطق ورجع نحو أصحابه. ثم ادرت وجهي نحو الاخرين وقلت لهم: انا لا اتحدث اللغة اليابانية، لطفا اخباري باللغة الإنجليزية بما يريد ان يقوله هذا الرجل. لم الق اي صدى لما ناشدتهم إياه ولكن بعد مضي بعض الوقت لم أجد من المناسب ان اكون في مكان مملوء بسباحين زلط ملط ومستنكرين على كوني المتستر والمحتشم الوحيد فيهم. يا سبحان الله هل هذا الأمر من مصاديق عناوين صدام الحضارات! خرجت من المسبح واتجهت نحو الاستقبال وشرحت للموظف الحدث، وقلت له: اني لم اكن ملتفت للاختلاف الثقافي وطالبتهم برد مبلغ رسوم الدخول لأني سأتصرف. الا انهم رفضوا ان يردوا المبلغ وعللوا ذلك بوجوب خلع سروال السباحة لأنه اجراء صحي وقائي. فقلت وانا منصرفا لا اعلم بماذا انت تدين سواء بوذا اوكونفوشيوس او الديمقراطية أو حتى الألحاد، الا ان إلزام مرتادي المسابح بما لا يليق ويمس الحشمة امر غير مقبول. الى جانب ان الاشتراطات غير مكتوبة باللغة الإنجليزية حيث يرد الاجانب والسياح كما هو الحال بالنسبة لي. لطفا احترام التعدد. رفضوا إرجاع المبلغ وانصرفت دونما استرداد رسوم الدخول.

@الموقف الثاني:

في منطقة مجاورة لشاطئ عالمي مشهور يدعى شيخفنجن Scheveningen الواقع امتداد مدينة لاهاي الهولندية، اسهبت مستمتعا برياضة المشي حتى وصلت لمنطقة ما بعد التلال الرملية وبعيدا عن منطقة فندق كورهوس الشهيرة. وهناك احسست بشي من العطش وبعض الجوع فذهبت لمنطقة من الشاطئ يبدو انها شبه. خاصة او مخصصة ومنعزلة. وفور اقترابي من محيط مدخل تلكم المنطقة، باغتني أحد الموظفين هنالك بالقول: لا يمكنك ان تدخل بملابسك هذه، ولا بد لك ان تخلعها كلها قبل الدخول للداخل ". فقلت له أني لا انوي السباحة ولكن أصابني بعض العطش وكل ما اريده شراء قنينة ماء من المدخل. ولكوني بعيد عن الواجهة البحرية المركزية ببضع كيلوات المترات، فارجوا مراعاة ذلك. فقال الموظف لي: عذرا لا يمكنك ان تدخل الا بعد خلع كامل ما ترتديه من ملابس كما يفعل كل المرتادون لهذا المكان المخصص من الشاطئ، فهذا الجزء مخصص لمن يؤمن بالطبيعة التجريدية للإنسان. فقلت له: قصدك لابد ان أكون مؤمن بنظرية معينة وان أمارسها والا لن يسمح لي بالدخول لشراء قنينة ماء. صمت ذاك الشخص، فقلت له: هذا مبلغ قنينة الماء ويمكنك ان يجلبها لي إذا هذا الإجراء مقبول منك. رد الموظف: لا يمكنني ان أساعدك. فانه غير مسموح لي بفعل ذلك. فقلت له:

أين إنسانيتك وضميرك والحرية التي تدعيها، أين قيمك الإنسانية من ممارستك هذه، أين التحضر الذي تدعيه. ثم أقفلت راجعا وانا في حالة غضب من رده وسلوكه.

الموقف الثالث:

في أحد السنوات الماضية، اتفقت مع حملة للحج والعمرة للذهاب معهم لموسم حج ذاك العام. وعند مكتب التسجيل تصادفت رؤية أحد أصدقائي المقربين عند ذات المكتب ولنفس الغرض. بعد القاء السلام والتحية على صديقي والحديث معه، اتفقنا على ان نكون في ذات النزل خلال الإقامة بمكة المكرمة في موسم اداء فريضة الحج. وكان الاداري يردد بشكل مستمر جملة نحن خدام لضيوف بيت الله. استفسرت من الاداري إذا أمكنني وصاحبي بحجز ذات الغرفة خلال اداء مناسك الحج لكوننا نعرف بعض ولا نريد ان ينتهي باي منا المطاف بالنوم في مكان مع أحد لديه حالة شخير. فقال الإداري: انا ما اعرفك ولا أشوفك تماشي الشيوخ. ولذا ما يمكنني ان أوعدك بشي. كتمتها في صدري. ولاحقا اكتشفت بان الغرف توزع بنظام الزم لي واقطع لك حتى في الإطلالات وموقع الدور والسعة الاستيعابية حيث عدد الاسرة وجهوزية الأجهزة كالمكيفات والمغاسل. وعندما وصلت مكة المشرفة اكتشفت بان حتى تأكيد حجز تذاكر الطائرة رجوعا تتم فيها مفاضلة وأولويات ومعرفة في تأكيد الحجز. مررت على ذات الاداري وقلت له: هل انت متأكد بانك تعتز بخدمة ضيوف بيت الله ام تعتز بخدمة من تعرفهم أنت. اشعر بانك تتاجر بأسماء فلان وعلان وتجعل الكلام المنمق مطية لبلوغ مرادك وتتسلق على ظهور السذج وتعيش الازدواجية.

استغرب لمن لديه سجل حافل بالمواقف والسلوكيات السلبية تاريخيا مع الآخر كيف له ان لا ينشغل مع وجود الجانحة بمراجعة نفسه وتقويم سلوكه حتى يطابق قوله لفعله ويرتجي من ربه ان تنقشع هذه الجانحة وهو في إنسانية وسلوكيات أفضل.

لعل جائحة كورونا الحالية اوقفت الجميع على مواقف انسانية كثيرة تؤرقه وتسلب النوم من عينه قلقا على المصير وخوفا من المجهول وخشية ان يكون هو أحد الضحايا المستقبليين لوباء فيروس كورونا. ومن تلكم القصص الواقعية المؤلمة ما وقع على سمعي بان امرأة لمواطن عربية ومسلمة قبل عدة أشهر أضحت ارملة. وهي مع ابناءها الصغار يعيشون على الكفاف وبما تجود به ايدي أهل الجود قبل الجانحة، قد تقطعت بهم السبل بسبب الحجر المنزلي الصحي. ولكون الارملة العربية واطفالها ليسوا مدرجين ضمن اي إعانة رسمية وليس لهم اي اتصال بعالم التطبيقات الذكية ولا بوجد لها اي امكانيات مالية، ازدادت الدنيا ظلمة في عيناها واعين أطفالها يوما بعد يوم. بعد سماع بعض الصالحين بواقع حالهم وبحمد الله ايقض الله الحميد المجيد لها ولفراخها بعض من اهل البر من الناس يعينوهم على قضاء امورهم. الا ان القلق يزداد مع طول امد المدة. هذه الصور المؤلمة عند سماعها لم أرويها لتسليه او ملئ الفراغ الزمني وإنما أطلقها كنداء لك ولي وللجميع في ان نتلمس حاجات الناس من حولنا ولا سيما المتعففين ممن هم حولنا وعندها يحق لنا ان فعلنا ما تجود به الأنفس ان نقول ”بالله نثق“.

كنت اتمنى وادعو صاحب كل ادعاء ان يتخلق بأخلاق ربه الذي يعبده او المبادئ والاخلاقيات التي يدعيها. فان كان يعبد الطبيعة فليجود للأخرين كما تجود الطبيعة. وان كان يصنم بوذا او كونفوشيوس فليكن حكيما ومفيدا كما كانوا. وان كان عابدا لله باي دين ابراهيمي «مسلم او مسيحي»، فليكن رحيما ورؤوفا كما هو الله العلي الكريم. وان كان يسعى لتسويق الحقوق والحريات والكرام فلينطلق في مديد العون لأخوة الإنسان حيثما هو موجود. عندها فقط وفقط، عند انطباق الأفعال بالأقوال يكون شعار بالله نثق ”In God we Trust“ محل توقير وتكريم واحترام واعتزاز من الجميع نحو من يفعل شعاراته الجميلة على ارض الواقع.