آخر تحديث: 7 / 3 / 2021م - 12:47 م

أيّهما أفضل: المُلحد الباحث، أم المؤمن المُتقاعس؟

زكريا الحاجي

سؤال: أيّهما أفضل: المُلحد العالِم الّذي قاده بحثه واجتهاده إلى هذه النتيجة العقديّة، أو المؤمن الجاهل المقلِّد في اعتقاده؟

هذا السّؤال قد يستفزّ الغيرة الإيمانيّة لدى بعض المؤمنين؛ كيف! وهو يفترض أفضليّة المُلحد على المؤمن.. لكن مع تعقل المسألة بتروٍّ يرتفع هذا الاستيحاش.

تنبيه: في مثل هذه المسائل ينبغي للباحث أن يتجرّد عن المصاديق الخارجيّة؛ والتي من شأنها أنّ تؤثّر على الموضوعيّة.

مقدّمة: يتأثّر الجواب عن هذا السّؤال بملاحظة اختلاف مباني العلماء في مسألة وجوب البحث والنّظر في الاعتقاد:

1 - من يعتبر البحث في الاعتقاد شرطاً في صحّة الإيمان، فإنّ التقليد الموجب للتقصير في أصول العقيدة يخدش أصل الإيمان، ومن ثمّ تكون مقارنة ”المُلحد“ مع ”غير المؤمن“، وهذا خارج عن فرض السّؤال.

2 - من يعتبر وجوب البحث في الاعتقاد تكليفاً شرعيّاً من قبيل باقي التكاليف الشّرعيّة كوجوب أداء الصّلاة والصّوم.. وغير ذلك، هنا يمكن أن نتصوّر المؤمن المُقصِّر، ومعه يأتي فرض مقارنة التفضيل مع المُلحد القاصِر والباحث عن الحقيقة، وهو محلّ كلامنا.

القاعدة بشكل عام تقول:

1 - القاصِر في اعتقاده - من حيث قصوره - معذور بمقتضى العدل الإلهي، وهذا ممّا يُدركه العقل.

2 - والمُقصِّر آثم؛ لكون التكليف الشّرعي يُملي عليه بناء الاعتقاد على النّظر والبحث، دون الاكتفاء بالتقليد.

السّؤال يفترض المُلحد قاصِر، والمؤمن مُقصِّر، ومن ثمّ النتيجة: المُلحد معذور، والمؤمن مستحق للعقاب، فهذا بحسب القاعدة العامة الكبرويّة.

من هنا: لا يمكن إثبات الفضل لأحد الطرفين بدون مراعاة ما يحتضنه السّؤال من حيثيّات متعدّدة تستوجب التفصيل في الجواب.

والجواب يكون في عدة نقاط:

1 - للأفعال في حدّ نفسها حسن وقبح، وهي من الممكن أن تصدر من المُلحد والمؤمن على حدّ سواء، وعليه: من الممكن أن يكون بعض أفعال المُلحد أفضل من بعض أفعال المؤمن، كما لو أنقذ المُلحد شخصاً أغرقه المؤمن، ومن ثمّ يكون في فرض السّؤال: عِلم المُلحد واجتهاده نحو الحقيقة، أفضل من جهل المؤمن وتقاعسه.

2 - المُلحد القاصِر لا يُعذّب، والمؤمن المُقصِّر ينال عقابه - بسبب سوء اختياره -، ومن حيث هذه النتيجة، يكون المُلحد أفضل حالاً من المؤمن، ولكن من حيث مطابقة الواقع المنكشف حينها - في يوم القيامة - يكون المؤمن أفضل حالاً، مع ما يستوجبه الإيمان أيضاً من مقامات أخرى، فالأمر نسبيّ، والعِبرة في النّتيجة النهائيّة.

3 - قد يكون اعتبار الجزاء الإلهي متقوّم على قصد الانسان ومدى قوّة إرادته، بمعنى أنّ بعض المُلحدين القاصِرين، فيما لو ارتفع المانع الذي تسبّب في قصورهم، لكانوا عبدوا الله بما يحقّق لهم المراتب العُليا، وإنما لم يكن منهم ذلك بسبب القصور، وعليه: قد يجازيهم الله - بفضله ورحمته - بأن يُعطيهم تلك المقامات بعد أن علم منهم ذلك.

4 - ما ذكرناه سابقاً كان على فرض وجود مصداق للمُلحد القاصِر، إلا أنّ الكلام يقع في امكان تحقّق القصور في مثل مسألة إثبات أصل وجود الخالق، وهي من المسائل التي تدركها بديهيّات العقل، والفطرة السّليمة، فالقصور يمكن تصوّره في تحديد صفات الخالق - مثلاً -، أو تشخيص الأديان السّماويّة.. وغير ذلك، لكن يصعب تصوّر القصور في مثل مسألة أصل وجود الخالق.

ولهذا لو تفحّصنا أحوال من يطلق عليهم بالملاحدة لوجدنا:

أ - إمّا بأنّهم متأثرين بعوامل أُخرى، أثّرت سلباً على البحث الموضوعي لديهم، من قبيل المصالح الشّخصيّة، أو السّياسيّة، أو الفئويّة.. وغير ذلك، وهذه فئة مُقصّرة لا قاصِرة.

ب - أو عند التدقيق في مفاهيمهم وروآهم الكونيّة، تجد أن مشكلتهم ليست في أصل وجود الخالق، بل الخالق بصورته الدّينيّة التي ترسمها بعض الأديان، وهو ما يعني أنّه لا ينطبق عليهم معنى ”الإلحاد“. وبتعبير آخر: هم لم يُلحدوا بأصل وجود الخالق، بل ألحدوا بإله الأديان.

5 - حالة القصور التي تطرأ على الإنسان، تسلب منه المعنى الإلحادي - أو الكفري - المستوجب للعقاب، وقد عبّرت عنهم النّصوص الوحيانيّة ب ”المُستضعف“، وهم من قصُرت عنهم الأدلة، وأصبح الإيمان خارج عن نطاق قدرتهم، وقد أشارت الآيات الكريمة إليهم: ﴿إنَّ الّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الاَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فيها فَأُولئِكَ مَأواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً * إلاّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِجالِ وَالنِساءِ وَالوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبيلاً * فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللهُ عَفُوّاً غَفُوراً¹، فالآية ميّزت المُستضعف الحقيقي من المُدعي، وهم المعنيين أيضاً في آية أخرى: ﴿واخَرُونَ مُرْجَوْنَ لاَِمْرِ اللهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ واللهُ عَلِيمٌ حَكيمٌ².

وعن زرارة قال: قلتُ: لأبي عبد الله [ع]: أتزوّج المرجئة أو الحروريّة أو القدريّة؟ قال: لا عليك بالبله من النّساء. قال زرارة: فقلتُ: ما هو إلاّ مؤمنة أو كافرة. فقال أبو عبد الله [ع]: فأين استثناء الله، قول الله أصدق من قولك ﴿إلاّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِجالِ وَالنِساءِ³.

وعن حمران قال: سألتُ أبا عبد الله [ع] عن المُستضعفين، قال: إنّهم ليسوا بالمؤمنين ولا بالكافرين، وهم المرجون لأمر الله⁴.

المُحصّلة: منطقيّاً لا يجتمع الإلحاد مع العلم بالنّحو الحقيقي الموضوعي؛ وذلك بأنّ أدلة إثبات الخالق من البديهيّات، ولو فرضنا جدلاً وجود ذلك، فالتفاضل أمر نسبيّ بينهما.

1 - سورة النّساء آية: 97 إلى 99,2 - سورة التوبة آية: 106,3 - البحار: ج 69 ص 164، باب المُستضعفين، الحديث 24,4 - البحار: ج 69 ص 165، الحديث 29.