آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 9:21 م

الصين ليست وحدها...!

الدكتور محمد المسعود

في عام 1911 م قبل أكثر من 100 سنة من تفشى الطاعون الأسود في الصين والذي لم يتوقف حتى حصد منهم 60 ألفا قيل حينها إن لانتشاره سبب متصل بالحيوانات البرية وإقبالهم على أكلها دائما، كانت كارثة من أكبر الأوبئة على مستوى العالم حين ذاك وكانت مؤلمة جدا ومدمرة لكل شيء.

ورغم أن منظمة الصحة العالمية تؤكد أن فايروس - كوفيد 19 - لا ينتقل عبر الطعام، وأنه وإن أنتقل من الخفاش فليس هذا لأن أحدهم في الصين قرر أكله. وإينما يعني أنه قد حمل العدوى منه من خلال قربه منه كما حدث للسلالة الأضعف منه وانتقالها من الجمال إلى رعاتها وملاكها ورغم هذا إلا أن الشعب الصيني بات ضحية لموجة كراهية وتنمر عالمية.

ففي بداية الوباء تقاذف مصريون سائحا صينيا قبل أن يرمى في الشارع مضروبا قد ناله أشنع وأقبح البذاءات، وفي أستراليا والولايات المتحدة يتم طردهم من المطاعم والحدائق وحتى حرمانهم من شراء حليب الأطفال ولا يزال أكثرهم يتعرض للضرب الشديد من كل من حوله ومن ناحية عملية تحول الصينيون إلى أسرى حرب يساء معاملاتهم من قبل الجميع في العالم، بذريعة «أكل الخفاش» الذي تسبب في كورونا، وهي الكذبة التي كذبتها كل مختبرات العالم.

إن الوباء بات يأخذ مسار التوظيف السياسي في الصراع على مركز القوة العظمى في العالم بين الولايات المتحدة والصين وإن تعبئة الشعوب بالكراهية ضد الصين من خلال توظيف هذا الوباء فرصة ستقبض عليها أمريكا بأضراسها وإعلامها الشرس والذكي.

أود التذكير هنا بهدوء أن ليس الصينين وحدهم.. لديهم - ظاهرة التوحش والشذوذ في أكل الحيوانات القذرة - بل كل شعوب العالم، ولو مددت أصابعك لليوتيوب ستجد من بني جلدتنا يتفاخرون بأكل التمساح و«ماسح الجيف النافقة» بحسب وظيفته التي خلقها الله للقيام بها، ويهم يستندون في هذا إلى فتوى. كما ستجد آخرين يسلخون جلد قنفذ وذئاب «وهي فصيلة كلبية» أي لا تختلف عن «الكلاب» التي تؤكل في الصين والفلبين. وإن بعض العرب يتفاخر بهذا ويوثقه من لحظات الصيد «السعيدة» إلى لحظات الشواء الأكثر سعادة له وللآكلين معه!!.

كما أن ظاهرة أكل «سحالي الصحراء» «الضب» لا تتوقف وسكان ساحل البحر يأكلون الأخطبوط ودودة البحر «الربيان»، والعقارب وفي تركيا - أكبر مزرعة في العالم «للضفادع» وفي مصر يوجد عشرات من مزارع - تربية الخنازير - وفي الفلبين يعد لحم الأفاعي من أغلى أنواع اللحوم بعد لحم الكلاب كما تؤكل الفقمة «كلاب البحر» في كثير من دول العالم أما أكل الحشرات والديدان والناموس وغيرها فهي قصة ألفة لبعضها كأكل الجراد من قبل أفريقيا والعرب وأكل الصراصير والناموس عند غيرهم - الفارق بين أكل الأرنب والسنجاب فارق الاعتياد ولذا بدأ العرب في أستراليا يطيب لهم لحم «الكنغر» ولم يصعب عليهم فتوى التحليل.

في نهاية الأمر - الجنس البشري - هو آفة حقيقية تهدد كل الأحياء بالانقراض إما أكلا أو لبسا أو تسلية متعة القتل «الصيد» وإن هذا الجنس المتوحش هو الأكثر ضررا وفسادا وطغيانا - يفسد فيها ويهلك الحرث والنسل - وهو أكثر المخلوقات بعدا عن احترام سنن الله الكونية التي توعد الله تعالى الخلق بعظيم العقوبة وعظيم الوبال في التعدي عليها «ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس».

وعلمنا أنه خلق كل شيء معنا في هذه الأرض بقدر، وأنه قدر ميزان الطبيعة والخلق في أحسن تقدير وهدى كل مخلوق إلى سبل حياته ووظيفته. وإن العباد بفسادهم وبغيهم على سنن الله وأكلهم ما حرمه عليهم، وظلمهم بقتل الضعفاء من شركائهم في الخلق يعد تعدي على السنن الكونية التي لا تتبدل ولا تتغير.. فليست الصين وحدها بحاجة إلى احترام التوازن البيئي واحترام سنن الله في الخلق بل كل شعوب العالم.

حين ذاك لن يظهر علينا ما نجهله وما نعجز عن رده عن أنفسنا والذي يظهر لنا سوءتنا الأولى، فمع كل معصية لله يظهر منا ما يفقرننا إلى ستر ومغفرة فهل ترجعنا كورنا إلى الله في سننه الكونية وحلاله وحرامه وإلى تشريع أممي جديد. ربما نعم.