آخر تحديث: 24 / 11 / 2020م - 5:05 م

من قصصهم نتعلم

ورد عن أمير المؤمنين : ﴿التجارِبُ عِلمٌ مُستفاد «غرر الحكم: 1036».

الدروس التي نستفيد منها كومضات مشرقة في حياتنا ونطبقها كمعالم نجاح في مختلف الجوانب، ليست بمحصورة في لسان ناطق من حكيم اعتصرته وعجنته الأيام فاستخرج منها لآليء حكمة، ولا في كتاب معرفي يحوي بين سطوره معالم النجاح وطرق مواجهة الصعاب وشق طريق الإنجاز وتخطيها بإرادة صلبة، وإنما تتناثر من حولنا حقول معرفة مثمرة لا ينبغي تفويتها وهي حقل التجارب التي تكسبنا خبرات حياتية ومهارية متعددة، هي قصص الكفاح التي خاضها أصحاب بطولة الهمم العالية، والذين لم يستجيبوا لنداء الإخفاق واليأس والتشاؤم، إنما حولوا الصعاب إلى فرص سانحة استثمروها لتنمية طاقاتهم واكتشاف نقاط ضعفهم وأوجه قصورهم، وكذلك التجارب تتمثل في المواقف المختلفة التي نمر بها - عددناها يوما كبوات - ما لبثنا أن نهضنا مجددا بعدها نافضين غبار الأخطاء بمنشفة قراءة الوقائع وإعادة الحسابات بتدقيق وتمحيص.

الإخفاق في خطوة دراسية أو وظيفية أو في إقامة علاقة اجتماعية ناجحة يعده البعض نهاية المطاف والعثرة التي لا مجال بعدها للنجاح، وأما من استوعبوا تجارب الناجحين وما مروا به من محاولات أخفقوا فيها ثم عاودوا بإصرار حتى وصلوا لما يبتغونه، لا يتأثر بغلبة العواطف وصرف النظر بسهولة عن أهدافه، فيكفي في كل عمل مثابر مدروس نقوم به أن يعطينا فرصة عملية لاكتساب الخبرة والتعرف على نقاط القوة والضعف في طاقاتنا، ومن ثم نعاود المحاولة الجديدة بعد تصحيح الأخطاء وعلاج أوجه التقصير، فإذا كان البعض يجعل معلمه في الحياة الإخفاق من خطوة واحدة، فاجعل معلمك النجاح وإن تأخر بعد محاولات عديدة.

معالجة وطرق حل المشكلات والنفس الطويل في متابعة الخروج من عنق الزجاجة، دروس رائعة تحتاج منا إلى عقول تمتاز بالوعي والحصافة واستيعاب وفهم مخرجات كل قصة، كتجربة نستفيد منها ونستلهم العبر التي نطبقها في واقعنا، بل ولا نقف عند حد تلك الأساليب والطرق التي اعتمدها أصحاب التجارب الرائعة، بل يمكن لمخامرة وامتزاج أفكارهم مع ما نملكه من تصورات «التلاقح الفكري» أن نضيف طرقا رائعة تكون درسا لمن يأتي بعدنا من أجيال.

البعض يرتكب خطأ فادحا بتجاهله قراءة قصص المكافحين في الحياة أو النظر إليها أو الاستماع إليها من لسان المنطق والحكمة من أهل الخبرات في الحياة، فهذا الاستنكاف مرده الغرور وانتفاخ الذات الداعي لاستصغار وتجاهل حقل معرفة كبير بحجم تجارب الآخرين، أو مرده للتربية الخاطئة والفقر الثقافي في البيئة التي نشأ فيها، فالتاريخ كتاب مليء بقصص الكفاح والمثابرة في مختلف الأصعدة الحياتية، والتي تدعمنا بجرعات كبيرة من الأمل والتفاؤل في التعامل مع صعوبات الحياة، وتعطينا الثقة بالنفس بالقدرة على تجاوزها.

التجارب تغنينا عن البدء في أي خطوة من نقطة الصفر، ومعرضين أنفسنا لطريقة «المحاولة والخطأ» باختيار الاحتمالات الكثيرة، مما يعد مضيعة للوقت واستنزافا لطاقاتنا في جهود كبيرة قد لا نصل فيها إلى نتيجة مرجوة، فالمبتديء منا يشد رحاله نحو العمل متسلحا بمجموعة من الخبرات التي اكتسبها من قراءة واعية لقصص الآخرين، ويكفينا الدرس المهم من تجاربهم والمتعلق بتحقيق النجاح، والذي لا يأتي كانطلاق الصاروخ وبضغطة زر، وإنما يأتي بعد قصة كفاح مريرة ومتعبة، يتخللها العثرات والعقبات ومحطات إخفاق استطعنا في النهاية تخطيها.

ومن دروس التجارب الرائعة أن الخطوات المتشابهة لخطوة غير ناجحة تعطي نفس النتيجة، فإذا كررنا نفس الأخطاء وأوجه الإهمال والتكاسل والتردد فلن يتغير من الواقع شيء، فعلينا دراسة الأخطاء الماضية ووضع تصورات للحلول القادمة بنحو محكم مدروس بعناية، مع حمل روح الأمل والثقة بتحقيق نتائج مغايرة لما سبق.

ومن معطيات التجارب تعلم العمل بالروح الجماعية الفاعلة والمتناسقة، فمهما بلغنا من قدرات ومهارات إدارية وعملية، فإن اتخاذ القرار المناسب والمحكم سيكون بشكل أفضل حينما تتناوله العقول الواعية بنحو جماعي؛ لتخرج بنتيجة تمتاز بالدقة والعناية ورعاية مختلف الجوانب.

ومن معطيات التجارب أن البدايات البسيطة لا تعني نتيجة متناسبة مع معطياتها، وإنما أمر التوسع والانطلاق إلى محطات جديدة تتعلق بمستوى ما نتحلى به من فكر واع وتخطيط مدروس وهمة عالية لا تكتفي بمستو معين، وإنما تضع مع كل خطوة درجة نعلو بها إلى مستويات عالية بعدها.