آخر تحديث: 25 / 11 / 2020م - 7:00 م

الأبحاث الطبية ومستويات الموثوقية

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

”منذ بداية اكتشافه حتى الساعة، كتب حول فيروس كوفيد - 19، أكثر بكثير مما كتب عن موضوعات عمرها مئات الأعوام“، يقول الدكتور محمد مزعل، في حديث لي معه، حول الأخبار الطبية التي تبثها وسائل الإعلام، ويتناقلها الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بحيث بات من الصعب عليهم التمييز بين الصحيح منها، والمضلل، خصوصا أن كثيرا من المتلقين لا يمتلكون ثقافة طبية.

من حُسن حظي، أنني خريج كلية ”العلوم“، ودرست بشكل مفصل مقررات حول البكتيريا والفيروسات وعلم المناعة، وهو الأمر الذي جعلني، ولو نسبيا، أميز قليلا بين المواد التي تكتب، والتي أتابعها بشكل يومي، بحكم عملي كصحافي، أسعى لاستقصاء الدراسات والتقارير من مصادرها الأكثر علمية وموثوقية.

فيما يتعلق بفيروس كوفيد - 19، فإن المواد التي تنشر في الصحافة العربية، كثير منها يعرض بطريقة غير احترافية، تفتقد للدقة في التوصيف والتحليل، والسبب أن المواقع العلمية البحثية باللغة العربية، نادرة، إن لم تكن معدومة، وأكثرها قربا من ”المهنية“، يعتمد على ترجمة ملخصات لمواد كتبت بالإنجليزية.

أمر آخر، تفتقد كثير من المؤسسات الصحافية العربية لـ ”التخصص“. فنادرا تجد لديها محررا خبيرا في حقل بعينه، ومتفرغا له!

الكيانات الصحافية الدولية المرموقة، تجد لديها صحافيين مختصين في موضوعات محددة، فهنالك محرر للشؤون العلمية، وآخر للقضايا الطبية. وقد يكون هؤلاء الصحافيون أطباء متعاونين، أو على الأقل محررون خضعوا لدورات مكثفة في الحقل الذي تخصصوا فيه، والذي هو محل اهتمامهم.

بالعودة إلى فيروس كورونا، فإن أغلب ما كتب من بحوث، هي مجرد ”ملحوظات علمية“، لا ترتقي لأن تكون دراسات استقصائية موسعة، فضلا عن أنها ليست دراسات ”التعشية الثنائية المنضبطة“، وهي نوعية من الدراسات تتميز بدرجة عالية من الحياد، والدقة، والبعد عن الانحيازات الذاتية أو المسبقة، وهنالك دراسات متقدمة عليها تعرف ب ”التحليل التلوي“، يتم فيها تحليل نتائج عدة دراسات متشابهة.

من هنا، نجد سواد الناس يقف محتارا أمام هذه البحوث، بسبب ما يجده تضاربا بين ”الدراسات“؛ لأن ما يتم التحدث عنه هو مجرد ”ملحوظات طبية“، قائمة على فحوص سريرية محدودة.

”هناك عدة أسباب قد تفسد نتائج الدّراسات العلمية مهما كانت قائمة على أسس سليمة أو كانت إحصاءاتها منضبطة؛ أولها الخطأ في اختيار عينة البحث «تحيّز الاختيار» بحيث تكون هذه العيّنة لا تمثل أي مجتمع إما لصغرها أو ضيق نطاقها، أو عدم تجانس العينات المقارنة كاختلاف كبير في أعمارهم أو أعراقهم، كما أن هناك أنواعا أخرى من الانحيازات المعرفية التي يمكن أن تفسد النتائج أيضاً“، يقول الدكتور محمد زكي العوامي، وهو يتحدث هنا عن الخلل الذي قد يصيب الدراسات المحكمة، فما بالك بالدراسات السريعة التي تتم حاليا، في ظروف صعبة، وغياب لعدد من الاشتراطات المهنية، ووسط ضغوط نفسية واقتصادية وسياسية، وهو ما يفسر فقدان كثير مما ينشر لـ ”الدقة“، ما يتطلب عدم الاستعجال في استخلاص النتائج، أو الترويج لها بشكل غير علمي.