آخر تحديث: 7 / 3 / 2021م - 8:15 م

ما يفعل الحب

بدر شبيب الشبيب *

في قصيدته «حُمَيّا الحب» يصف الشاعر المصري الصوفي ابن الفارض «576 - 632 هـ» ما وصلت إليه حاله من العشق المقدس، وأن زواره لن يجدوا من جسمه شيئا لأن الحب أفناه تماما. يقول:

فلو كشف العُوّادُ بي وتحققوا

من اللوح، ما مِنّي الصبابةُ أبقتِ

لما شاهدت مني بصائرُهم سوى

تخلُّلَ روحٍ بين أثواب ميتِ

قد يشغل جمال بشري إنسانا ما، فتظهر آثار ذلك عليه في تصرفاته، في أقواله وأفعاله وتفكيره. وكلما كان التعلق أكبر تعمقت الآثار، حتى يصل المرء إلى مرحلة ينسى فيها ذاته، ويكون كل شغله التلذذ بالنظر إلى جمال المحبوب الحسي أو المعنوي أو كليهما. إنها حالة الدهشة والإكبار التي عبر عنها القرآن الكريم في سورة يوسف في قضية النسوة اللاتي أذهب الجمال اليوسفي عقولهن، وشغلهن حتى عن أنفسهن، فقمن بتقطيع أيديهن من غير شعور بألم السكين والجرح النازف. يقول تعالى:

﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ.

وإذا كان الجمال البشري يفعل هذا الفعل، فكيف بالجمال المطلق؟! يمكننا معرفة ذلك من خلال موقف النبي إبراهيم مع ولده إسماعيل عليهما السلام. يرى الوالد الرؤيا التي يؤمر فيها بأشد البلاء والامتحان، فيستسلم لأمر المحبوب، ثم يعرض ذلك على ولده البار، فلا يرى منه سوى الاستسلام المطلق والإذعان التام. لقد تشرب الوالد والولد حب الله وتمكن من قلبيهما، فلم يعودا يرى نفسيهما شيئا في حضرة الله تعالى. يتحدث القرآن الكريم عن ذلك، فيقول:

﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى‏ فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى‏ قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.

ويمكننا معرفته أيضا من خلال أعظم شخصية عاشقة في التاريخ الإنساني كله؛ الحبيب المصطفى محمد ﷺ الذي كان التجلي الأعظم لنور الله. يتحدث الإمام علي عن قيام النبي ﷺ الليل قياما يكشف عن مدى تعظيم النبي ﷺ لربه وتعلقه بصفات جماله وجلاله. يقول علي : لقد قام رسول اللّه «صلّى اللّه عليه وآله وسلم» عشر سنين على أطراف أصابعه حتى تورمت قدماه واصفرّ وجهه. يقوم الليل أجمع حتى عوتب في ذلك فقال اللّه عزّ وجلّ: ﴿طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى.

إنها حالة انشغال القلب المحب التي تنسيه ذاته، فلا يعود يرى إلا محبوبه متجليا في كل شيء، ولا يرى في التعب إلا راحة ما مثلها راحة. يقول الإمام علي :

«القلب المحب لله يحب كثيرا النصب لله، والقلب اللاهي عن الله يحب الراحة، فلا تظن يابن آدم أنك تدرك رفعة البر بغير مشقة، فإن الحق ثقيل مُر».

هذا بعض ما يفعله الحب بالمحبين.

دمتم بحب.. جمعة مباركة.. أحبكم جميعا.