آخر تحديث: 26 / 5 / 2020م - 4:51 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ذكريات على ورق

نجاة الفريد *

في إحدى الليالي المعتمة وتحت ضوء القمر

كنتُ جالسةً في شرفتي الصغيرة

وأنا أنظر لتقاسيم السماء أحسستُ بشيءٍ جميل

حيث عاد بي شريط الذكريات إلى الوراء يحملُ حنين الماضي ليعبر أمام عيني ببعض تفاصيله الجميلة التي عشتها

تذكرتُ قريتي الصغيرة الهادئة وسمائها الصافية وفي جنباتها ذلك الزقاق وبيوتُ الطين

راق لي منظر أناسٍ كانوا يمشون في شوارعها الضيقة.. حيثُ جال نظري لرجلٍ مسن ارتسمت على تعابيره خطوط الزمن يدخنُ سيجارتهِ ويزفرُ دخانها في الهواء وامرأة عجوز تتكيء على عكازها الخشبي بالكاد تستطيع أن تمشي

 وشاب على مشارف العشرين جالسٌ على أعتاب بيتهِ القديم ينظرُ إلى الطفل الصغير الذي يركض خلف كُرته الملونة وتلك الفتاة المجدلة الشعر بظفيرتين طويلتين ترافق أمها بعباءتها السوداء ممسكة يديها

راق لي منظر كبارٌ هرمون وهم يتسامرون على ضوء قنديلٍ خافت وتلك الأيام التي عاشها كل هؤلاء الأشخاص بجميع مراحلهم العمرية رسمت على شفتي ابتسامةَ الرضا والاطمئنان بأن مستقبلنا الآتي سوف يكون بخير. وأن الوجوه والقلوب التي رأيتها لن تتبدل في يومٍ من الأيام

ولكن! سرعان ما تلاشى هذا الشعور حيث تبدلت بوجوهٍ قلقة  .. حزينة  .. خائفة.. جعلتني شاردةَ الذهن

فأصبحتْ ذات تعابير وأحاسيس مليئة بالجروح العميقة

إنها مختلفة تماماً عن ذلك الزمن القديم الذي عشنا معه أياماً جميلة لن تعود

حيث أصبحت الآن ذكريات وأطلالاً نُقشت على جدران بيوتنا

كان يحمل أجمل لحظات عمري التي عشتها في طفولتي.. وجدتُ بين طياته أم تحنو على أولادها لا تفرق بين من أنجبته في شبابها وبين من أنجبته بعد عمرٍ مضى  .. رأيت أباً يلعبُ مع صغاره.. أخوة وأخوات يجمعهم قلبٌ وحبٌ واحد لا تفرقهم أية مشاحنات.. جد وجده يحتضنون من هم صغاراً إلى أن كبروا.. أناس بالقرب من بيتنا يجتمعون على لقمةٍ واحدة وقلبٌ طيب لا يعرف نفاقاً

دكانٌ صغير فيه مايعجبنا بالرغم من بساطته لكنه يعطينا الشيء الكثير مما يجعلنا في قمة سعادتنا عند عودتنا إلى بيوتنا

هذا كان ماضينا الجميل الذي يحمل بين طياته صباحاتٍ ومساءاتٍ رائعة ننام ونستيقظ دون خوف أو مبالاة بما سوف ينتظرنا من اليوم الذي يليه.

لكن.. أين هو الآن؟؟

هل من عودة أيها الزمن الرائع؟

هل ستعود وتحمل لنا ولو شيئاً بسيطاً من قلبك الطيب وأيامك الجميلة؟

هل ستعود تلك الأم وذلك الأب والأخوة والأخوات؟

هل ستحتضنني تلك الجدة والجد الحنونين؟

أم أصبح زمن بلا عودة؟

لا أدري ما ستخبئه الأيام القادمة

أنا لا أريد كل ماذكرت.. أريد الشيء القليل فقط.

الشيء الذي يشعرني بالأمان

سوف أنتظر الأيام القادمة

وكلي أمل بأن الآتي أجمل