آخر تحديث: 24 / 11 / 2020م - 5:05 م

التغيير الأخلاقي

ورد عن رسول الله ﷺ: «مَن حَسَّن خُلقَه بلّغَه الله درجةَ الصائم القائم» «عيون أخبار الرضا ج 2 ص 72».

مدرسة الصوم التربوية لا تشمل ضبط النفس وكبح جماحها من الإفراط والاستجابة السريعة للأهواء والشهوات، وإنما تتسع الدائرة التهذيبية إلى كل جوانب شخصية الصائم وأهمها الجانب الأخلاقي، فالحصول على مكتسبات من الصفات الحميدة والألق في التعامل مع الآخرين بعيدا عن المزاجية والانفعال، يعد من الغايات التي تعمل إمساكية المفطرات على تثبيتها وتجذيرها في السلوكيات والتصرفات، ومن صاحب الشهر الفضيل بروح إيمانية عليه أن يدرك هذا البعد المهم ليتناسق معه متخليا عن العيوب والرذائل من جهة، وينطلق بجد واجتهاد للترقي في درجات الكمال القيمي، فكل خصلة أخلاقية لها بدايات ودرجات وعلينا في الشهر الكريم الترقي إلى علياء العفة والحياء والورع والخلق الرفيع.

يطرح البعض تعليلا واهيا لما يصدر منه من تعاملات سيئة بل وشرسة في تعاملاته وعلاقاته، بكونه قد ولد وترعرع على ذلك ومن الصعب - إن لم يكن من المستحيل - أن يتغير يوما، فيعدل من سلوكياته ويهذبها متخلصا من كل الصفات السيئة التي يتعنون بها، ووجه هذا الاشتباه هو أن الصفات والسلوكيات مهما تجذرت بسبب عامل البيئة والوراثة، إلا أن الإنسان يمتلك من الإرادة القوية والعقل الواعي ما يمكنه من الخروج من شرنقة الأفعال الوحشية البعيدة عن الفطرة السليمة، فمن خلال المسلك التهذيبي للنفس يمكنه أن يتخلص شيئا فشيئا من سوء خلقه، وهذه سيرة الأنبياء والأئمة فيها من الشواهد على تغيير النفوس وانتشالها من الجاهلية الأخلاقية، فقادوا عملية التغيير في النفوس ليصبغوها بمعالم ومكارم الأخلاق؛ لتشكل تلك الجهود جدارية حضارية مشرقة أثبتها التاريخ بأحرف ذهبية.

الباعث المهم في قيادة عملية التغيير الأخلاقي هو إدراك أهمية هذه الخطوة، إذ يتطلع الإنسان إلى نتائج باهرة إذا امتاز بالخلق الحسن والصفات الحميدة، فلنتخيل تلك الصورة لأصحاب الأخلاق الحسنة وما تكون عليه علاقاتهم وسيرتهم، وما يحظون به من محبة في قلوب الناس من حولهم والثقة بهم، كما أن التعامل الحسن مع الناس من أقصر وأسرع الطرق في خط القرب من الله تعالى ونيل رضوانه.

ولكن الحصول على هذه المرتبة العالية لا يتأتى من خلال الأمنيات والأحلام الوردية، إنما العملية التغييرية تحتاج إلى خطوات عملية مدروسة تهدف في نهاية الأمر إلى تحسين وتجويد طريقة تعاملنا، فالصورة السلبية لصاحب الخلق السيء وما يحظى به من نفور ونبذ واضطراب في علاقاته الأسرية والاجتماعية يشكل داعيا قويا لتحسين أخلاقنا.

كما أن البعض يغفل عن الوزر الذي ينوء به بسبب تعامله السيء وصراخه في وجه الآخر وانفعاله الشديد الذي يوقعه في شطط الكلام، فإن هذه التصرفات ذنوب يحاسب ويعاقب عليها الإنسان الضعيف بما لا يقوى على تحمل شيء منه، فتنبعث نفسه السبعية الشرسة - وخصوصا في محيطه الأسري - للتعامل وفق مزاجيته فيصرخ في وجه زوجته وأولاده لمجرد سوء فهم أو خلاف بسيط، فيسمح لنفسه بتوجيه الكلمات القاسية والجارحة لهم، بينما يحاول هذا المعتوه أخلاقيا الحفاظ على صورته الجميلة بين أصدقائه، فيتجمل وينتقي كلماته ويتحمل ما يصدر من بعضهم من إساءة!!

مرآة النفس قف أمامها مطولا متأملا ما أنت عليه من أوساخ التعامل القبيح مع الآخرين؛ لتعمل على تزيين شخصيتك وتجميلها بمفردات القيم الأخلاقية، فمهما كانت درجة تعاملنا متدنية فإن الفرصة سانحة للتصحيح، وخصوصا في الشهر الكريم ونحن نعيد حساباتنا في كل جوانب علاقتنا بالله عز وجل وحياتنا، فما نحن عليه من اتصاف ببعض الخصال السيئة يبعدنا عن رحمة الله تعالى ومغفرته، ويجعلنا في ضفة أخرى مقابل أولياء الله تعالى الذين جسدوا الخلق الرفيع حتى في أحلك الظروف وأقساها، إذ كانوا في تعاملهم البلسم الشافي لهموم الناس وتفريج كربهم.

ميدان تحسين أخلاقنا والبدء في رحلة التغيير أبوابه مفتوحة أمامنا، فما ينقصنا سوى مبادرات وإرادة لنخوض غمار محاربة أهوائنا ومشاعرنا السلبية، والتي يمكنها أن تقودنا إلى معارك خاسرة واستنزاف لحسناتنا، كما يمكن للأخلاق السيئة أن تدخلنا في نفق مظلم من كبار الذنوب كالغيبة والنميمة.

أمامنا فرصة لا تعوض في الشهر الكريم لنثبت اقتدارنا في التصحيح والتغيير، والمسلك - بالطبع - ليس سهلا ولكننا نمتلك قدرة المواجهة التي تخلقنا بثوب أخلاقي جديد.