آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 1:55 م

الغائب الحاضر

المهندس أمير الصالح *

عندما تم طرد المحامي الشاب الناجح غاندي ذو البشرة الحنطية من قاطرة الدرجة الأولى عنوة وبشكل مذل من رجل أبيض في منطقة بريتوريا جنوب أفريقيا قبل تسعين سنة ماضية، أحس غاندي بضرورة استرداد الاعتبار لكرامته وكرامة مواطنيه في بلده الأم، الهند. وكانت الهند وجنوب أفريقيا يرزحان تحت الاستعمار البريطاني. لامس مهندس غاندي حجم الظلامة والامتهان الجاثم على مواطنيه بعد إن ذاق من نفس الكأس. رجع غاندي إلى بلده الهند تاركا وظيفة مرموقة ودخل مالي عال، ونزع ملابسه الأنيقة واكتفى بلبس ما تنسجه يداه من قماش. حتى صار دولاب خيوط الصوف وماكينة الخياطة إحدى محطات التغيير نحو الاكتفاء الاقتصادي للهند وحفظ كرامة الهنود من ذل الاستعمار البريطاني والبضاعة البريطانية يومذاك. وانطلق غاندي نحو انتزاع استقلال بلاده من المخالب البريطانية بإطلاق عدة محطات عمل سلمية ومنها مسيرة 358 كيلو متر مشيا. وبعد أن نال الهنود استقلالهم، أصبح المهاتما غاندي أيقونة الهند الحديثة والأب الروحي لها. وهو بالنسبة لمعظم أبناء الهند ”الغائب الحاضر“ لكبير صنعه.

قبل حوالي مائتي سنة، خوفا على نفسه اضطر والده وجميع أفراد أسرته وهو أيضا إلى تغيير النحلة والملة أي تغيير هويتهم الدينية إلى البروتستانتية المسيحية. ولد كارل ماركس في ألمانيا ودرس في جامعاتها حتى نال شهادة الدكتوراه وبعد عدة مقالات له تم حجب أي فرصة لإسناد التدريس الاكاديمي له، هذا ما قاله مريدوه. وتمت محاصرة كتابات كارل ماركس وإغلاق الصحيفة التي يكتب فيها بمدينة كولون الألمانية، فارتحل إلى العاصمة الفرنسية باريس ثم ارتحل لمدينة بروكسل وأخيراً فر إلى لندن بعد مضايقات عدة وقعت عليه. وقد كان يعيش كارل حياة الكفاف إلا إنه مازال من الاكثر تأثيرا إلى يومنا هذا في صراع الطبقات الاجتماعية لا سيما صراع العمال ضد أصحاب الرأسمالية ورموزها. ”لا أعرف أي شخص من السابقين قد كتب عن المال أكثر مني مع تملكي للنزر القليل من المال“، جملة قالها كارل ماركس صاحب النظرية الماركسية عندما أودع كتابه لصاحب دار نشر بلندن البريطانية. وإلى يومنا هذا نسمع ونرى آثار تحليله للصراعات بين الطبقات الاجتماعية في مجال توزبع الثروات وصراع حقوق العمال. وهو بالنسبة لمعظم العمال في العالم، ”الغائب الحاضر“. لقوة ماسطره في نظرياته وازدياد عدد مريديه في الصين وروسيا وبعض أجزاء العالم وأوروبا الشرقية. الغريب أن كارل ماركس ولد في ألمانيا اقليم بافاريا وترعرع فيها ولم يتبنى الغرب أفكاره وإنما تبنى أفكاره الروس والصينيون والكوبيون.

في عهد جائحة الكورونا، أحس الجميع بالضيق الشديد من الحجر المنزلي واستشعر الأغلب من الناس ان لم يكن جميع سكان الأرض بالحاجة الملحة لصلة الرحم والتواصل والتعاطف والرحمة والتضرع للرب بالدعاء. هنا أحس الجميع بأهمية تعاليم الانبياء والرسل والاولياء الصالحون في ترسيخ مفاهيم المعروف والخبر والرحمة، فأصبح الأنبياء هم ”الغائبون جسدا الحاضرون روحا“.

أحس جميع من كان محيطا به أن تحليلاته الاقتصادية والاجتماعية والمهنية السابقة كانت صائبة إلا إنه حين تم اطلاقها لم يرى لها الاحتضان. كان ذلك الشخص يجتهد في إيصال أكبر قدر من المعلومات والتحليل الفني ليبصر الآخرون ما يبصره. ولكونه مستقلا وليس تابعا لأحد أو مطبلا لشخص ما أو محسوبا على شلة محددة، فلاحظ عدم وجود ادنى تفاعل مع ما يطرحه من معالجات استباقية. بل على العكس من ذلك، ما سجله من التفاعلات وردود الأفعال امر شبه محبط. عندما بلغ حد خنقه في التفاعل من قبل بعض الناء جلدته من محيطه، تارة بدعوات وتارة أخرى بإطلاق تهم أو الصاق زورا صفات منفرة لحجب أي نشاط توعوي أو ابداعي أو تميز. حتى إنه عند ترتيبه وطرحه لأي محاضرات تثقيفية او إصدارات علميه يتم اجهاضها عمدا والتشكيك في قدراته. اختفى ذاك الشخص من الساحة الاجتماعية، وبانطواء السنين وتعاظم أهوال الزمان تذكر البعض ممن لهم ذاكرة ما حاول تغيبه المتسلطون والمتنفذون والمتنكرون والاقصاءيون من جهود و مناقب لذاك الإنسان الفاعل والصادق والأمين. وجلس البعض يندب قله استمطار أيام ذلك الشخص النقي المخلص الفاعل الذي ارتحل جغرافيا أو زمانيا.

حيثما نكون فإننا نعيش في مجتمع متعدد الاتجاهات والاقطاب والمصالح والنوايا، وهذا يستدعي منا أن نكون مستقلين فكريا لاستمطار الخير بيننا قبل افول أهله. مبدئيا كل انسان نتوسم فيه خيرا ومن الذكاء العاطفي والاجتماعي والرياضي احتضانه واستمطار الخير منه قبل ان يرحل من بيننا، أما الى مكان آخر أو محيط آخر أو عالم آخر. ومن الجميل أن نكون بيئات حاضنة لا طاردة فالجميع بحاجة إلى طاقة أعضاء المجتمع.

اخيرا، تطرق مسامعنا بين الحين والحين: أنت الغائب الحاضر. ونعلم حينها أن القائل يقصد تبجيل لمن غاب عنا جسدا ومازال حاضرا فكرا أو قدوة أو أثرا. احرص أن يقال في حقك ”الغائب الحاضر“ وليس ”الحاضر الغائب“.