آخر تحديث: 25 / 11 / 2020م - 7:00 م

جمهور الصوت العذب

المهندس أمير الصالح *

شاشات التلفزة في كل أنحاء العالم نقلت صور عدة عن اساليب تعابير سكان المدن المتنوعة خلال ساعات الحجر المنزلي الصحي الإلزامي quarantine. لعل من اكثر المشاهد المتناقلة عبر محطات التلفزة في مطلع شهر ابريل، هو مقاطع فيديو لموهوبين يعزفون على الآلات موسيقية متنوعة واطلاق اصواتهم الشجية على اسطح العمارات والمنازل وبلكونات الشقق في العمائر السكنية المتجاورة. الملفت للانتباه في تلكم اللقطات المتنوعة هو ان درجة الاندماج والانصهار بين المنشد او المغني او الصادح بصوته والمستمعون عالية جدا. وبمجرد انتهاء العازف او المغني او المنشد من اداءه الفني، يعبر المستمعون بالاعجاب من خلال التصفيق الحار والتصفير والثناء بصوت عال.

وفي ذات الوقت شاهدنا لقطات فيديو في قنوات اليوتيوب عن رفع الأذان في عدة عواصم ومدن أوربية وأمريكية. وكان ملفت ان درجة الذوبان، تتناسب الى حد بعيد بدرجة عذوبة وجهورية الصوت للمؤذن. وشخصيا عندما عشت في بعض البلدان الأجنبية لا حظت مدى شعبية اهل الصوت الرخيم وسعة جمهوره. بين هذا وذاك يحسن بنا ان ننتخب صاحب الصوت الاكثر تاثيرا.

مالفت نظري في كل انواع واصناف تلكم المشاهد هو ان المستمعين يستهوون سماع الأصوات الرخيمة والعذبة والشجية والجميلة عند اتاحة الفرصة لبروزها حتى دونما الحاجة الى التسويق لها. وان الكلمات والاصوات العذبة تكسر جدار العلاقات في مواطن ذات ايدلوجيات مختلفة كما حدث في بعص مدن اوربا.

ما احزنني ان احد المواقف التي علقت في ذهني منذ عدة سنوات عن حادثة عاينتها بام عيني في مقر عمل باحد المصانع في دولة ما. فبعد توافد الموظفين داخل المكان المخصص للصلاة وقف احد الموظفين البسطاء «م. ي» واقام الآذان بشكل صحيح وسليم وصوت عذب. انسدل الصمت والتفاعل من قبل الحاضرين في المسجد لعذوبة الصوت وجميل النداء. الا انه بمجرد ان انتهى ذلك الشخص البسيط من اداء الآذان وقف موظف آخر «ز. ر» وهو متنفذ في المنصب والعلاقات ويعتقد بنفسه انه هو القيم على المسجد فأقام الاذان مرة اخرى دون اعتبار للآذان الذي اقامه الموظف البسيط لتو. احس الموظف البسيط بنوع من الغبن والعنصرية والنظرة الدونية له واخذ يستفسر وهو موجها كلامه نحو من اعاد الآذان وبشكل علني عن سبب اعادة الآذان. فماكان من ذلك المتغطرس الا ان نظر نحو الموظف البسيط نظرة ازدراء وتقدم لامامة المصلين. فكانت نتيجة لهذا السلوك الذي شاهده البعض بكامله ان ترك مجموعة غير قليلة من الموظفين الالتحاق بالجماعة التي يؤم فيها شخص شللي وعنصري ومتعجرف وصلوا منفردين.

الامر الغير متوقع هو ان تصبح الشللية ليس فقط في حدود المال وو النفوذ والتوظيف، وانما امتدت حتى وصلت مضمار عقد ختمات قراءة القرآن والآذان و... و.... المشكل هو ان ذات الاشخاص المنتحلين للتدين ينتقدون الاخرين لشلليتهم ولا يرون ما يفعلون هم بانفسهم من مظاهر الشللية وخنق حتى من يبادر في طرح اعمال البر او الصلاح او الدعوة للفلاح. هكذا استحواذ واحتكار قتل وسيقتل كل بوادر النمو في اعمال البر حتى في الاعمال العبادية الجماعية. قد يتغافل ويترفع ويتجاوز البعض من الناس عن مكاشفة المستحوذين بعناوين متنوعة كالغفران والمسامحة وتكبير الدماغ والابتعاد عن التصادم. الا ان هذا التسامح والغفران يفسره اهل الغرور وحب السيطرة انهم فوق الانتقاد واكبر من ان ينبههم الاخرون للاخطاء التي يقعون فيها او ان يسألونهم عن تصرفاتهم الغير معلومة الاسس العقلية. مؤسف حقا التردي والتناحر الشللي في العمل والشارع والمصلى ودور العلم والجامعات والمستشفيات وما قد يفضي اليه من تكريس لممارسات لتفتيت المفتت. قد تكون محطة جائحة كورنا محطة مفتوحة المدة زمنيا لمراجعة كل انسان عاقل نفسه ويحاسبها قبل ان يخسر نفسه ومن يحرص على تنبيهه.