آخر تحديث: 24 / 11 / 2020م - 5:05 م

تهدمت أركان الهدى

الشباب المثابر والتواق إلى الترقي لأعلى درجات الكمال النفسي والروحي والأخلاقي والتحلي بالفضائل والصفات الحميدة، على موعد مع شخصية عظيمة ملؤها تجسيد ذلك بأعلى مستوياته وفي واقع غير مسبوق، إنها شخصية أمير المؤمنين والذي حاز الشهادة من الجميع بأنه لم يكن له بعد رسول الله ﷺ نظير في كنوز العلم والحكم، فيكفي المنصف الأريب أن يلقي نظرة تمعن على بعض نصوص نهج البلاغة ليقف على ألقه المعرفي، كما أن شيرته تجسيد لملكة التقوى والخشية من الله تعالى إذ يشهد له بذلك محراب العبادة الذي لازمه طوال حياته حتى لحظات عمره الآخيرة حيث سقط شهيدا، وتعامله مع مختلف أصناف المجتمع يوصل إلى حقيقة احترامه لإنسانية الفرد وكرامته وحفظ حقوقه دون أي تجاوز أو امتهان، فمن أراد صفحة مشرقة من تاريخ الإنسانية فليسلط الضوء على مواقفه الإنسانية النبيلة، والتي تشير إلى ذلك القلب الحنون الذي احتوى آلام وحاجات الناس فعمل على بلسمتها ومعالجتها، إذ كان يمتلك همة عالية في ميدان العمل تعد محط نظر واعتبار فلم يعرف يوما الكلل أو الملل، فقد وضع نصب عينيه السعي الحميد نحو قضاء حوائج الناس وتفريج كربهم.

وأما زهده في الدنيا وعزوفه عن دنيا تزينت له بنعيمها الظاهر فلم تلق منه أدنى إجابة، بل أعرض عنها ناطقا بطلاقها وفراقها ومغربا وجه الالتفات عنها، في نظرة واعية يقدمها أمير المؤمنين لفهم دورنا الوظيفي في الدنيا بعيدا عن الأوهام والخيالات المريضة، فحالة الطمع في زينتها والغرور والغفلة كلها موروثات تصيب من أخذ بالقشور المادية وأصبح عبدا للمال وتحصيل الملذات، وأما علي فقد جعل الآخرة نصب عينيه فأخذ من حطام الدنيا الزائل الحد الأدنى من مستلزمات الحياة الضرورية الكريمة، ولم يعمد إلى جمع شيء من حفنات المال، بل طوعه ليكون بلسما لحاجات الفقراء والضعفاء.

وأمير المؤمنين مدرسة في العمل المثابر المصحوب بالهمة والنشاط، فقد كان يعمل بكل جد واجتهاد في سبيل ترسية معالم العدل الاجتماعي ورفع المستوى المعرفي عند الناس وتهذيب أخلاقهم وطرق تعاملهم وفق ما جاء به الرسول الأكرم ﷺ من مكارم الأخلاق، ومع كل تلك الظروف القاسية والعقبات التي واجهها إلا أن ذلك لم يضعف قواه وإرادته أو يصيبه باليأس والتشاؤم - حاشاه -، كما يحدث لبعض الشباب اليوم ممن يواجه أزمة يرى فيها نهاية حياته والنفق الذي لا مخرج منه، فأيننا من سيرة هذا الإمام العظيم الذي سطر ملاحم القوة في مواجهة التحديات بفكر ثاقب وصبر شديد، فالاقتداء به لا يقتصر على الجانب العبادي الذي لازم فيه محراب الوقوف بين يدي المولى الجليل ومناجاته بأروع الكلمات وأسمى المعاني المعبرة عن مكنونات العقل الواعي، ولا يختزل السير على نهجه بالانكباب على المعرفة والقراءة لتنمية المدركات العقلية ومهارات الحديث ولباقة الحوار الهاديء، وإنما تشكل منهجية علي إلهاما وعبرا في مختلف الجوانب في شخصية الإنسان، يبذر في النفوس المسحة الإيمانية وشموع الهدى وقبس الخلق الرفيع وومض التخلص من أغلال الشهوات وحب الدنيا المذل.

وعطاؤه لم يكن الحد الأدنى من سخاء النفس والعطاء البسيط، بل كان في قمة الإنفاق الموحي بالتخلي التام عن الأنانية وحب الناس بأعلى درجاته، إنه الإيثار الدائم والتحنان الذي جسده في كل مواقف يواجه فيه حاجة لغيره، وقد أشاد القرآن الكريم في آية الإطعام بالإيثار المتجذر والمتكرر في سلوك علي وأهل بيته الذين امتلأوا رأفة وعطفا على الضعفاء، فأين أصحاب القلوب النقية والأيادي البيضاء من سيرة العطاء لعلي ؛ لينطلقوا ملهمين منها نحو تفقد أحوال المحتاجين وقضاء حاجاتهم المادية والمعنوية؟!

فلنقبل بنهم وهمة على معارف علي التي تشكل زادا لطالبي العلم والزاد المسلكي، في حلقات تمعن وتأمل في درره المبثوثة في نهج البلاغة التي تشكل مرجعية لا غنى عنها في صناعة الشخصية الإيمانية.

وما كان أمير المؤمنين في حياته إلا تجسيد اليقين والرضا بالقضاء الإلهي، والفوز في الدنيا في نظره نيل أعلى درجات الشرف والقرب الإلهي، فبعد عمر طويل قضاه بالتضحيات الجسام نال مراده بالشهادة.