آخر تحديث: 5 / 6 / 2020م - 3:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

كورونا: البعد اللغوي ”10“

”لا تتكلم في حضرة كورونا“: فيروس ”كوفيد - 19“ ينتشر عبر الكلام

الدكتور أحمد فتح الله *

ذكرت في المقال السابق ”ماهية البعد اللغوي“، وهو المقال التاسع في هذا السلسلة، أن علم اللغة المعني ببنية اللغة ينقسم إلى عدد من المجالات الفرعية، منها الصوتيات «Phonetics» وهو دراسة أصوات الكلام في جوانبها المادية، وعلم الأصوات «Phonology»: دراسة أصوات الكلام في جوانبها المعرفية، والمورفولوجيا «Morphology»: دراسة تكوين الكلمات، والنحو «Syntax»: دراسة تكوين الجمل، وعلم الدلالة «Semantics»: دراسة المعنى، البراغماتية «Pragmatics»: دراسة استخدام اللغة.

أمَّا بالنسبة إلى الصوتيات «Phonetics»، فهناك ثلاثة مجالات رئيسة لدراسة أصوات الكلام:

أولًا: الصوتيات النطقية «Articulatory Phonetics»

يتعامل الصوتيات النطقية مع الطريقة التي تلفظ بها أصوات الكلام. تصنف الأصوات عادة وفقًا لموقف الشفاه واللِّسان، ومدى فتح الفم، وغير ذلك.

ثانيًا: الصوتيات الفيزيائية «Acoustic Phonetics»

يتعامل الصوتيات الفيزيائية مع نقل أصوات الكلام عبر الهواء. عندما يصدر صوت الكلام فإنه يسبب اضطرابات هوائية طفيفة ”موجات صوتية“ «sound waves». يتم استخدام أدوات مختلفة لقياس الخصائص من هذه الموجات الصوتية.

ثالثًا: الصوتيات السمعية «Auditory Phonetics»

يتعامل الصوتيات السمعية مع كيفية إدراك أصوات الكلام من قبل مستمع. على سبيل المثال، قد يدرك المستمع:

اختلافات في نطق /p/ مع لفحة هواء تقربه من صوت الفاء «ph»، كما في كلمة ”pit“، يقال عنها: aspirated، ونطق /p/ العادية، الخالية من اللفحة كما في كلمة ”tip “ unaspirated».

الاختلافات الأخرى في نوعية الصوت، مثل بين /l/ ”الخفيفة“ في كلمة ”light“ «ضوء، خفيف»، و”المفخمة“ «dark» في كلمة ”hill“ «تل، هضبة».

هذا العلم يقوم بدور ”الترميز للأصوات، بمعنى يعطيها رموزًا تسمى“ الرموز الصوتية ”، وهي عبارة عن حروف أبجدية خاصة تعبر كتابةً عن الأصوات المنطوقة فعليًّا، وهي تختلف عن الحروف الأبجدية العادية الخاصة المستخدمة الكتابة في كل لغة من لغات العالم، وهو ما يعطينا نصوصًا نقرؤها. على سبيل المثال، يمكن التعبير عن الصوت“ ش ”في اللغة العربية، و“ sh ”في اللغة الإنجليزية، و“ sch ”في الألمانية، و“ ch ”في الفرنسية بالرمز [s] فوقه شكل حرف“ v ”صغير، وهذه الرموز تعرف عالميًّا ب“ الأبجدية الصوتية الدولية " «International Phonetic Alphabet».

أمَّا ”علم الأصوات“ أو ”الصوتيات“ «Phonology»:

فهو دراسة أصوات الكلام في جوانبها المعرفية، أي يُعنى بما يلي:

- إنشاء ووصف الوحدات الصوتية المميزة لِلُّغة «الفونيمات» عن طريق السمات الخاصة بها.

يعتبر كل ”صوت“ مؤلف من مجموعة من هذه الميزات ويختلف في ميزة واحدة على الأقل عن الأصوات الأخرى.

- دراسة العلاقات بين الكلمات في الجمل.

أي كيف تتأثر أنماط الصوت بمجموعة الكلمات؟ على سبيل المثال، في اللغة الانجليزية الفعل ”give“ ”/giv/ يعطي“ مع الضمير ”him“ تكتب ”give him“ وتنطق في الكلام /givim/، وهذا هو الإدغام في اللغة العربية.

- دراسة أنماط التنغيم «Intonation Patterns»

عند التحدث، يقوم الناس عمومًا برفع وخفض درجة صوتهم، لتشكيل أنماط النغمة. كما أنها تعطي بعض المقاطع في نطقها درجة أكبر من الجهارة وتغيير إيقاع الكلام. لا يحدث التنغيم بشكل عشوائي، بل له أنماط وقوانين، بالإضافة إلى أنه له وظائف نحوية، ويساعد التنغيم في نقل المعلومات التي يتم التعبير عنها بواسطة الكلمات في الجملة.

- اجتماع وترتيبات الأصوات في اللغة

كل لغة لها نظامها الخاص «Phonological Rules». على سبيل المثال، في اللغة الإنجليزية، المجموعات الساكنة /spr/ و/str/ يمكن أن تحدث في بداية الكلمة، لكن لا يمكن أن تحدث في نهاية الكلمة.

فيزيائية الكلام وكورونا

بوصفي طالب علوم لغة، كنت أعتقد بناءً على دراستي وقراءاتي بأن اللغة محايدة تمامًا في علاقتها مع الإنسان، وإن هو أساء استخدامها باعتبارها أداة، وكل الأدوات يستخدمها الإنسان في الخير والشر، وهناك أدوات صنعها بعض البشر، فرادى أو مجتمعين للخير، لكن طوَّعها البعض الآخر للشر واستخدمها فيه وإليه، لكن في جائحة كورونا، أذهلني مراوغة الفيروس كوفيد - 19 «COVID - 19» وطبيعته المبهمة حتى في أعراضه واجتياحه لأعضاء الجسم البشري المختلفة، وفي طريقة وصوله إلى الجسم البشري، أو اختراقه له، ولم أكن أتوقع أن ”اللغة“ «ستكون» إحدى وسائله.

بناءً على ما جاء في وصف ”الصوتيات الفيزيائية“ أعلاه، الكلمات المنطوقة في الكلام «والحديث» هي عبارة عن أصوات لها صفاتها الفيزيائية، وحين تخرج من فم صاحبها تسبح في الهواء حتى تصل إلى أُذْنِ سامعها، وتتم معالجتها لفهم المعاني المحمولة فيها.

هذا ”الهواء“، كان ينظر له في بداية أزمة كورونا، أن ليس له دور في نقل عدوى الفيروس. فإلى وقت قريب ترى منظمة الصحة العالمية، بأن فيروس ”كوفيد - 19“ لا ينتشر في الهواء، بل عن طريق الرذاذ الطائر من العطاس والسعال من المصاب وملامسته الأسطح التي يلمسها الناس بأيديهم؛ لذا أوصت وتوصي بعدة وصايا وقائية، وتبعتها مواقع الصحة في الدول وأصبحت هي ممارسة الناس:

- تغطية الفم عند السعال بثني المرفق أو بمنديل ورقي. إذا استعملت منديلًا، فتخلص منه فورًا بعد الاستعمال، واغسل يديك.

- حافظ على مسافة متر واحد على الأقل «3 أقدام» بينك وبين الآخرين.

- توصي المنظمة بارتداء الكمامات الطبية أساسًا في مرافق الرعاية الصحية، ولكن يمكن النظر في استخدامها في ظروف أخرى أيضًا «انظر أدناه»، وينبغي أن يقترن استخدام الكمامات الطبية بالتدابير الرئيسة الأخرى للوقاية من العدوى ومكافحتها، مثل نظافة اليدين والتباعد الجسدي.

- لا توصي منظمة الصحة العالمية بارتداء كمامات طبية لتجنب نشر عدوى كوفيد - 19؛ إذ لا توجد أدلة حاليًّا تؤيد أو تنفي جدوى ارتداء الكمامات «الطبية أو غيرها» من الأشخاص الأصحاء في المجتمع عمومًا، وتضيف أن المنظمة تعكف على دراسة المعارف العلمية السريعة التطور بشأن الكمامات، وتُحدِّث إرشاداتها في هذا الشأن بشكل مستمر.

لكن بدأ الكثير من المراقبين والمهتمين يتساءَل حول ما إذا كان فيروس كورونا الجديد ينتقل عبر الهواء، عبر التنفس. مما دعا الأكاديمية الأمريكية الوطنية للعلوم «NAS»، للبيان بأن فيروس كورونا المستجد قد ينتقل عبر الهواء، وليس فقط عبر رذاذ الجهاز التنفسي، أي أنه قد ينتقل أثناء التنفس أو التحدث. وذكر الدكتور هارفي فاينبرغ «Harvey Fineberg»، وهو رئيس لجنة الأمراض المعدية الناشئة والتهديدات الصحية للقرن 21 في الأكاديمية الوطنية للعلوم «NAS» في أميركا، في رسالة له، أن احتمالية انتقال الفيروس عبر الهواء موجودة.

قام فريق الباحثين وعلى رأسهم الدكتور فاينبيرغ بمراجعة بعض الدراسات من بينها واحدة تمت في جامعة نبراسكا «Nebraska Medical Center»، ووجدت انتشارًا واسعًا للحمض النووي الفيروسي من نوع RNA في غرفة معزولة لمرضى يتم معالجتهم من الإصابة بالفيروس، ولاحظ الباحثون أن هذا الحمض النووي استقر على الأسطح المختلفة، كما ظهر في عينات مأخوذة من الهواء وعلى بعد يزيد من المترين عن المرضى. وجود الحمض النووي للفيروس على هذا البعد يشير باحتمالية انتقاله عبر الهواء،. وهذا ما أكدته دراسات متتابعة مؤخرًا.

وقد صدرت دراسات متعددة عن انتشار الفيروس التاجي عبر الهواء، وعلى سبيل المثال، لا الحصر، في 12 مايو 2020م كتبت مقالًا في مجلة «Scientific American» بعنوان: ”كيف ينتشر الفيروس التاجي عبر الهواء: ما نعرفه حتى الآن“، ذكرت فيه: ”تشير بعض الدراسات إلى أن الفيروس الذي يسبب COVID - 19 يمكن أن يستمر في شكل رذاذ، لكن احتمال انتقال العدوى يعتمد على عوامل عديدة، بما في ذلك العدوى والجرعة والتهوية“، ثم استشهدت بدراسات ذكرتها كدليل على ”انتقال الهباء الجوي“.

ووفقًا لدراسة جديدة، يبدو أن COVID - 19 يبقى في الهواء لفترة أطول من المشتبه به ”، حسب مقال مارك فان مايل بعنوان“ ما مدى سهولة انتشار COVID - 19 في الهواء؟ " في 17 مايو 2020م، في موقع Genano. com. وحسب موقع World Economic Forum»، هناك دراسة أكدت ذلك من قبل، أي في 14 - أبريل 2020م.

  • كورونا والتحدث

والأهم عندي، في مسألة ”البعد اللغوي“ في أزمة كورونا، هنا من منظور الصوتيات الفيزيائية، أن دراسات نشرت مؤخرًا تشير إلى أن الميكروبات الصغيرة الناتجة عن الكلام يمكن أن تظل معلقة في الهواء في مكان مغلق لأكثر من عشر دقائق، ما يؤكد دورها المحتمل في نشر ”كوفيد - 19“ «COCID - 19». وقد أوضح الدكتور هارفي فاينبرغ، في مقابلة مع NPR أن الكلام «Speech» له دور في انتشار الفيروس أيضًا، وجاءت إشارات عدة، مثلًا:

  • موقع ScienceDirect «https: //www. sciencedirect. com» بقلم R. Ningthoujam
  • موقع ميامي هيرالد الأمريكية «https: //www. miamiherald. com»، في 14 مايو 2020م
  • موقع أخبار علوم الأعصاب «https: //neurosciencenews. com»، في 12 مايو 2020م.

وهذا ما أكدته دراسة علمية رصينة نشرت في تقريرات ”الأكاديمية الوطنية للعلوم“ Proceedings of the National Academy of Science «PNAS»، في 13 مايو 2020م. قام الباحثون في ”المعهد الوطني للسكري وأمراض الجهاز الهضمي والكلى“ ”National Institute for Diabetes and Digestive and Kidney Diseases“ «NIDDK» بدراسة عبارة ”حافظ على صحتك“ ينطقها شخص بصوت عالٍ داخل صندوق مغلق باستخدام ضوء الليزر المسقط في الصندوق يضيء ”القطرات“ «التي تحمل الكلمات»، ما يسمح برؤيتها وعده، وأظهرت هذه الدراسة أن ”القطرات“ بقت في الهواء لمدة 12 دقيقة في المتوسط.

مع الأخذ في الاعتبار التركيز المعروف للفيروس التاجي «كوفيد - 19» في اللعاب، قدر العلماء أن كل دقيقة من التحدث بصوت عالي يمكن أن تُولِّد أكثر من 1000 قطرة تحتوي على فيروس قادر على البقاء في الهواء لمدة ثماني دقائق أو أكثر في مكان مغلق.

وخلص الباحثون إلى أن ”هذا التصور المباشر يوضح كيف أن الكلام العادي يولد قطرات“ محمولة جوًّا ”«أي يحملها الهواء» يمكن أن تظل معلقة لعشرات الدقائق أو أكثر وقادرة على نقل المرض في الأماكن الضيقة“.

ولاحظ الفريق نفسه أن التحدث بشكل أقل بصوت مرتفع يولد قطرات أقل «2».

هذه الدراسة التي تبين العلاقة بين علم اللغة «اللسانيات» والعلوم الأخرى، كالفيزياء، مثلًا، تشير إلى أنه إذا كان من الممكن تأكيد انتقال العدوى لـ COVID - 19 ومستواها من خلال الكلام، فهذا يمكن أن يعطي دعمًا علميًّا موثقًا للتوصية الوقائية في العديد من الدول لارتداء قناع الوجه «face Mask»، وربما تساعد في فهم وتفسير الانتشار السريع لهذا لفيروس.

المنظمة لم توصِ بالكمامات، كما ذكرنا أعلاه، لكن بعض المسؤولين السياسيين والصحيين أخذوا على عاتقهم هذه الوصية، مثلًا المركز الأمريكي لوقاية الأمراض ومكافحتها، بأن على المواطنين ارتداء الكمامات دائمًا عند الخروج من المنزل، وفي أواخر شهر شعبان نشر موقع المنتدى الاقتصادي العالمي «Word Economy Forum» مقالًا بعنوان: ”ما هو الدليل على ارتداء الأقنعة لوقف كوفيد - 19“، يستعرض فيه الأدلة ويحث على ارتداء الأقنعة، «What is the evidence on wearing masks to stop COVID - 10»

وقد نشرت وكالة الأخبار العالمية، أسوشيتد برس، الولايات المتحدة الأمريكية اليوم، مقالًا، للعالمَين جيريمي هوارد وزينب توفيكسي «Jeremy Howard and Zeynep Tufekci»، في 14 مايو 2020م بعنوان: ”أكثر 100 من قادة الصحة للمحافظين يطالبون بأقنعة للمساعدة في احتواء الفيروس التاجي“ Over 100 health leaders to governors Require masks to help contain the coronavirus.

«1» أشكر الأستاذ سمير آل ربح على التدقيق اللغوي وعلى إبداء بعض الملاحظات في الصيغة الأولية للمقال. لكن تظل مسؤوليتي عن أي خطأ قد يجده القارئ الكريم.

«2» الدراسة المعنية:

العنوان: The airborne lifetime of small speech droplets and their potential importance in SARS - CoV - 2 transmission. «عمر ”قطرات الكلام“ في الهواء وأهميتها المحتملة في انتقال السارس «CoV - 2

الباحثون: Valentyn Stadnytskyi، Christina E. Bax، Adriaan Bax، وPhilip Anfinrud

مكان وزمان النشر: PNAS لأول مرة في 13 مايو 2020 https: //doi. org/10,1073/pnas. 2006874117
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 3
1
هلال الوحيد
[ القطيف ]: 19 / 5 / 2020م - 4:39 ص
حقيقة يا دكتور علم مستجد بالنسبة لي ومختصر جد ممتع. وإن كان فيه جرعة مضاعفة من الخوف والحذر من الكلام أظنها جديرة بمزيد
2
هلال الوحيد
[ القطيف ]: 19 / 5 / 2020م - 4:41 ص
أظنها تستحق مزيدا من الدراسة.
على كل حال استمر في امتاعنا بالمزيد ولا تصمت...
3
أحمد فتح الله
[ تاروت ]: 19 / 5 / 2020م - 9:34 م
أستاذنا العزيز هلال
شكرًا لمرورك، قراءةً وتعليقًا. ودعمك يدفعني لمزيد من "الخربشات".
أما الصمت في زمن كورونا فذاك قضية أخرى، وسيأتيك بالأخبار من لم تزود.
تاروت - القطيف