آخر تحديث: 29 / 5 / 2020م - 9:42 م  بتوقيت مكة المكرمة

المتلقي التويتري والذائقة

محمد الحرز * صحيفة اليوم

هل من المبالغة إذا قلنا إن المتلقي التويتري هو الذي يتحكم في الذائقة؟

حسنا لنبدأ في الوقوف على المغزى من طرح السؤال، ثم نعرج على تفاصيله قبل الإجابة الكاملة عنه.

فضاء تويتر في المملكة يحتل النسبة الأكبر بين متابعي الجماهير في شبكات التواصل الاجتماعي، فهو يعد فضاء يعكس الرأي العام المحلي، فما أن تثار قضية اجتماعية أو ثقافية أو سياسية أو دينية أو رياضية في الإعلام التقليدي: كالجريدة أو قناة فضائية حتى تتداعى أو تكبر مثل كرة الثلج في تويتر، وتتحول إلى رأي عام يشترك في صناعته جميع أطياف المجتمع وفئاته.

وحدث أن نوقشت بعض القضايا والمطالب التي تمس حياة المواطن اليومية، وكانت الاستجابة والتفاعل الحكومي سريعا وإجابيا، وكأن ما يطرح في هذا الفضاء من حوارات ومناقشات هو ترمومتر تقيس عليه الحكومة مقدار تقبل هذا القرار أو ذاك، أو مقدار تقبل وعي الناس لهذه الأفكار أو تلك، حين يتعلق الأمر بمعتقداتهم أو حياتهم الاجتماعية والثقافية.

يضاف إلى هذا البعد، بعد آخر، لا يقل أهمية عنه، هو تحول الفرد إلى كائن حواري أيا كانت صفة هذا الفرد وموقعه على سلم التراتب الاجتماعي أو العمري أو الوظيفي أو الثقافي. يحضر الفرد دون شروط مسبقة أو قيود ملزمة تحد من كونه حرا يطرح رأيه وأفكاره ومواقفه باعتباره كذلك. لقد أسس تويتر كما هو الفيسبوك أو انستغرام باعتباره صفحة شخصية أو أشبه شيئا بمذكرة صغيرة يحملها الشخص معه أينما حل أو رحل لتسجيل ذكرياته أو توثيق أحداث معينة في حياته أو سرد مشاعره، حيث هذه المذكرة مرتبطة بالكتابة.

لكن سرعان ما أخذت الفكرة أبعادا واسعة، فتحولت من كونها خاصة جدا لا يطلع عليها أحد، وتحت ضغط حياة العولمة، إلى عامة بواسطة ما تتيحه إمكانيات تويتر تحديدا إلى وضع ال «140» حرفا تحت تصرف الفرد ليقول كل شيء وأمام العالم. مثل هذه الوضعية لم يسبق لها مثيل، فمن جهة أنت مدعو بوصفك إنسانا حواريا للتشارك مع بقية الناس لتفعيل خاصية الحوار لديك بدافع الحاجة والرغبة، ومن جهة أخرى تجد نفسك تائها في خضم أمواج متلاطمة من الأحاديث والتعابير والأفكار والتصرفات وردات الأفعال المتناقضة والتافهة والعبقرية، وكل ما في النفس الإنسانية من مميزات وأمراض.

ضمن هذا السياق الذي تحول فيه الإنسان إلى كائن حواري عبر هذه الشبكات يأتي أهمية ومغزى طرح السؤال الذي صدرنا به المقال.

لكن ما علاقة هذا الكلام بالمتلقي من جهة والذائقة من جهة أخرى؟

منذ أن تأسس تويتر إلى الآن مضت خمسة عشر سنة، غيرت الكثير من المفاهيم التي تتعلق بالعلاقات وسط المثقفين والأدباء، فلم تعد تحكم هذه العلاقات شروط مسبقة تفرضها المؤسسات المؤثرة أو الرسمية، ولم تعد تخضع لحواجز مكانية أيضا. ناهيك عن تلك التقاليد التي تربى الإنسان عليها سواء في البيت أو المدرسة أو الخطابات التي تلقاها تعليميا والتي شكلت عموم شخصيته في تلقي الأدب والثقافة، لم تعد واضحة المعالم حين يصبح هذا الفرد متلقيا في فضاء تويتر، إذ اختفت تماما. والبديل هو المتلقي التويتري الذي يمثل في ثقافتنا ذاكرة وقتية قصيرة، يقول كل شيء ولا يقول شيئا، يصدر أحكاما قيمية على أعمال أدبية سواء كانت شعرية أو روائية أو درامية بعدد حروف التغريدة، أو يختزل بشكل مخل أفكارا فلسفية كبرى.

لقد صنع هذا البديل ذائقة تشبه «FAST FOOD» في تلقي النصوص والتجارب. والمفارقة المدهشة أن البعض من الكتاب والمثقفين والنقاد من الأكاديميين الشباب متواطئون على ترسيخ مثل هذه الذائقة، من خلال صناعة علاقة بين المريد والأستاذ التي تمثل الجانب الأهم في هذه الذائقة.

هناك شواهد عديدة، يكفي أن تجيل نظرك لترى كيف أوجد هذا البديل قطيعة في الذائقة الشعرية بين ما مضى في العقدين الماضيين من ثقافتنا وبين حاضر هذه الذائقة على مستوى العالم؟!