آخر تحديث: 22 / 10 / 2020م - 8:46 ص

إسلام السّوق لـ ”باتريك هايني“

جهينة الإخبارية افنان المهدي - صفوى

عنوان الكتاب لافت ومثير؛ يصنع تموّجات وتكهّنات وتخرّصات من الوهلة الأولى؛ حتى قبل العزم على قراءته؛ بل قد يحفّز قارئ العنوان على الشّروع في قراءة الكتاب؛ والإبحار في سردياته؛ والغوص في أعماقه؛ وهذا بظنّي فطنة وحنكة وذكاء في الكاتب!

تتناسل الأسئلة بمجرّد قراءة العنوان «إسلام السوق»:

ماذا يريد الكاتب إيصاله من هذا العنوان؟

هل هو عنوان للتهكم والسخرية؟!

أم صيغة مبالغة وضرب من الخيال؟

أم نوع من شنّ الحرب النفسية وضرب من تحت الحزام؟!

ما هو إسلام السّوق؟ ما هي مصاديقه؟ مَنْ يمثّله؟ ومن أين اقتُبس هذا الاسم؟!

وغيرها من الأسئلة التي تخطر على البال؛ فيبحث عنها القارئ في طيّات هذا الكتاب!

مؤلّف الكتاب «باتريك هايني»، الباحث السويسري في العلوم الاجتماعية؛ والحائز جائزة أفضل أطروحة عن العالم العربي باللغة الفرنسية عام 2001م؛ محلّل سابق في مجموعة الأزمات الدولية ببيروت عن منطقة الشرق الأوسط.

والكتاب؛ عبارة عن حصيلة بحوث أجريت على مدى 10 سنوات؛ برفقة الفريق الذي كان يعمل في موقع «إسلام أون لاين»؛ إضافة لمناقشاته مع أستاذه «أوليڨييه روا»، الباحث الأكثر تجديداً في مساحات التفاعل الإيجابي بين الديناميات الدينية والهوياتية مع العولمة - بحسب تعبير باتريك - وبالتعاون مع زميله وصديقه المصري الباحث الراحل «حسام تمام»؛ إضافة لحواره مع صديق آخر توفي في الثورة المصرية؛ ومع زوجته المنتمية للعالم الإسلامي والسّاعية لنموذج للتديّن؛ منفتحاً على العالم وعلى الآخر، وقد يكون السبب في إيراد كلّ هذا في العرض؛ أنه من الضروري معرفة خلفية الكاتب؛ والعوامل المؤثرة في بحثه ودراسته؛ ليتسنّى للقارئ فهم السّياق الذي من خلاله قد وصل الكاتب للنتيجة التي وصل لها!

الكتاب؛ بحسب تقديم أستاذة النظرية السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية «هبة رؤوف عزّت»؛ أنه يلقي الضوء على تحولات نوعية حدثت في مسيرة التديّن خلال العقود الماضية، وهو يتبنّى بشكل ما، أطروحة «أوليڨييه روا» و«جيل كيبيل» عن فشل الصحوة الإسلامية في تقديم نموذجها النقي للمجتمع، مع تصاعد معدلات علمنتها بعد أن تقلّبت قيم السّوق!

باختصار؛ يرى أنّها أصيبت بحالة من السّيولة في المفاهيم الحاكمة «الجهاد، الحجاب»، وأنّها تبنّت في النهاية رؤية التنمية البشرية الأمريكية المتمركزة حول القيم البروتستانتية، من تركيز على النجاح الفردي وسعي للثروة والنجاح الدنيوي.

باتريك هايني يرى أنّه بعد عامين، من بدء الغليان والاحتجاجات في العالم العربي برزت عدة أمور:

1/ قدرة المجتمعات العربية على التفاعل مع حركتي الأسلمة والعولمة في الوقت ذاته، وعجز الإسلام السّياسي عن طرح بديل فعلي.

2/ الربيع العربي دعم الأسس الأيديولوجية للتديّن.

ما هو إسلام السّوق؟

الباحث لم يكتفِ بتعريف واحد مانع جامع؛ أحضر عدة تمظهرات لهذا النوع من الإسلام كما شخّصه؛ وفيها جلب من يمثله كما سنرى!

1/ هو مزيج من النزعة الفردانية المتعولمة ونزع للقداسة عن الالتزام التنظيمي؛ بما يضمنه ذلك من التخلي عن الشعارات الكبرى المتمحورة حول شعار «الإسلام هو الحلّ» وإعادة النظر في فكرة شمولية الإسلام لكلّ مناحي الحياة.

2/ هو منافس للنموذج الإسلاموي الذي يربط بين الهوية والسّياسة والدين.

3/ توجه قادر على التوطّن والتأثير في كلّ حقائق الإسلام المعاصر.

4/ يمكن ملاحظته لدى السّلفية والإخوان والصوفية وبعص المنتجات الهوياتية، وبعض العادات الحياتية لدى المتدينين من المسلمين؛ وهو منتشر في القارات الأربع.

5/ ليس بديلاً عن الإسلام السياسي ولا هو آخر نموذج ينتج عنه؛ إنه فقط يمثّل شكلاً جديداً من التديّن؛ كحالة احتجاج داخلية هادئة على بعض النماذج الأساسية في الصحوة الإسلامية.

6/ إسلام السوق، مصطلح تحليلي يستند إلى فكرة الربط بين أنماط معيّنة من التديّن الإسلامي، والأسس الفلسفية للسّوق، كالنزعة الفردانية، الانفتاح، العولمة، نزعة الاستهلاك، التخلي عن السرديات الأيديولوجية.

7/ لا يتحدث عن الدين؛ إنّما عن أنماط جديدة من التديّن.

وقد يكون مرتكز هايني فيما ذهب إليه، هو: أنّ السّرديات الإسلاموية الكبرى والمفاهيم الكلاسيكية الداعية للخلافة، والأمة الإسلامية والدولة الإسلامية والجهاد، كلّها في مرحلة أزمة، وغير فعّالة إلا في الفضاءات التي انهارت فيها الدولة.

والسردية الإسلاموية الكبرى المستندة إلى مركزية المكوّن الديني، في تقديم البديل الحضاري الكامل؛ تراجعت وهي متعلقة بثلاثة تغيّرات فعلية وواقعية:

1/نزع القداسة عن التنظيمات الإسلامية.

2/ نقل المبادئ التي تأسّست عليها من مساحة المطلق إلى مساحة النسبي.

3/ ظهور أنماط من التديّن الذي يغيب عنه الاهتمام بمسائل السّياسي والدولة، مع ميل واضح نحو الانفتاح الثقافي على الخارج.

وهذه التطورات التي مرّ بها هذا النوع من التديّن، كتقديم خطاب ناعم بعيداً عن الترهيب من العقاب الإلهي، بخطاب الترغيب في محبة الله لعباده والتركيز على نجاح الفرد في حياته الدنيوية والأخروية، وتكوين ثروة لتنفعه في عبادته، وعلى رأسهم «عمرو خالد» في مصر و«عبدالله جمنستيار» في جنوب آسيا، متأثرين ببعض الحركات الإنجيلية الأمريكية.

فالأسلمة تنعتق حالياً من كلّ أشكال الوصاية السّابقة كالدولة والهوية في مشهد جديد؛ عبر إعادة التمركز حول ميكانزمات السّوق وثقافة المؤسّسة.

ليخلص الباحث إلى النتيجة التالية:

إنّ إسلام السّوق في جوهره؛ تفاعل بين المجال الديني والحقل الاقتصادي، ويتميّز باستراتيجية انفتاح، تتضمّن إعادة موضعه الديني في فضاء السّوق العالمي غير الديني!.