آخر تحديث: 29 / 10 / 2020م - 1:42 م

السلوك الاجتماعي

محمد أحمد التاروتي *

تخضع السلوكيات الاجتماعية للثقافة السائدة، وكذلك للظروف الخارجية، بالإضافة للتقاليد المتوارثة، بحيث تشكل هذه العوامل ”توليفة“ خاصة في طبيعة السلوكيات الحياتية، مما يجعلها ضوابط حاكمة في العلاقات الإنسانية في مختلف المجتمعات البشرية، وبالتالي السلوكيات الاجتماعية تختلف في بعض الممارسات لدى بعض المجتمعات، بيد ان القواعد الأخلاقية تبقى القواسم المشتركة، في جميع السلوكيات البشرية.

الازمات الكبرى تفرض تحولات جزئية في شبكات العلاقات الاجتماعية، انسجاما مع المتغيرات في القناعات الفكرية السائدة، بالإضافة الى التفاعل المتبادل مع تداعيات واتجاهات الازمات الكبرى، خصوصا وان ”الصنمية“ في السلوكيات الاجتماعية تخلق بعض المشاكل، في طبيعة العلاقات القائمة بين مختلف الأطراف، فالتمسك ”الاعمى“ ببعض الممارسات الخارجية يتناقض أحيانا مع المتغيرات الواقعية، مما يستدعي الاستجابة الانية مع تلك المستجدات، بهدف مواكبة ايقاعات العصر، ومحاولة تفادي الاثار السلبية للازمات الكبرى، وبالتالي فان محاولة الاقتراب من السلوكيات الاجتماعية عملية مطلوبة، كتعبير عن القدرة على التفاعل مع الواقع، بما يحقق الانسجام الكامل بين القناعات الذاتية والممارسات الخارجية.

عملية مراجعة السلوكيات الاجتماعية تكون عنصرا مساعدا، لاعادة التفكير في مجمل القناعات السائدة، فالازمات على اختلافها تضع الجميع امام مفترق طرق، بحيث تمهد الطريق لانتهاج سلوكيات مغايرة تماما عن الممارسات السابقة، خصوصا وان ثقافة السلوكيات الاجتماعية مرتبطة في الغالب قناعات متوارثة، فرضتها عناصر خارجية، وأخرى داخلية، وبالتالي فان انتفاء بعض تلك الضغوظ الخارجية، وتلاشي جزء من القناعات الذاتية، يدفع البعض لاتخاذ خطوات ضرورية، وأحيانا اجبارية على وضع مسارات سلوكية، مختلفة عن القناعات الاجتماعية السائدة، مما يفتح الطريق لانتشار ثقافة سلوكية جديدة.

التغيير الشامل في السلوكيات الاجتماعية يتطلب مراحل زمنية متفاوتة، خصوصا وان التنازل عن القناعات الفكرية عملية مرحلية ومتدرجة، مما يجعل الصدمات الكبرى عناصر محركة، وليست عوامل أساسية في وضع الأسس الدافعة للتغيير أحيانا، وبالتالي فان محاولة احداث تغييرات جذرية سريعة مغامرة كبرى، نظرا لوجود عقبات عديدة تحول دون الوصول الى تلك التغييرات الشاملة، الامر الذي يستدعي التحرك وفق منهجية الخطوات المتدرجة، عوضا من الاستدارة الكاملة و”الطلاق البائن“، مع القناعات الاجتماعية السائدة، بمعنى اخر، فان سياسة المنهجية الانتقالية تكون أحيانا اكثر قدرة على الصمود، من الصدمات المفاجئة في ضرب السلوكيات الاجتماعية السائدة.

صراع البقاء يشكل احد العوامل الأساسية وراء الخلاف، بين الثقافة السلوكية القديمة والممارسات الجديدة، فكل طرف يحاول قراءة المشهد بشكل مختلف، وفقا للمخاوف أحيانا، والتطلعات المستقبلية أحيانا أخرى، وبالتالي فان الصراع يشكل فرصة لمحاولة لاظهار وجهة النظر، بما يدعم طريقته في الحياة، بيد انها وسيلة فضلى لاظهار القدرة على الانتشار في الثقافة السائدة، خصوصا وان ”الحرس القديم“ يتحرك أحيانا بعكس التيار الطبيعي، مما يجعله غير قادر على تغيير المسار بسهولة، الامر الذي يدفعه لانتهاج طريقة التصادم المباشر، باعتبارها الوسيلة الأكثر قدرة على الصمود، والانحسار التدريجي، نظرا لقدرة تيار ”التغيير“ على اختراق بعض المناطق المغلقة في الثقافة الاجتماعية السائدة، بخصوص العديد من السلوكيات المتعارفة منذ سنوات طويلة.

وجود عناصر قادرة على التفاعل الكامل مع الازمات الكبرى، خطوة أساسية في إعادة رسم السلوكيات الاجتماعية، بحيث تأخذ المسار الاخر في التحركات القادمة، لاسيما وان الجمود يفقد المجتمع حيويته، ويحرمه من الاستجابة مع التطورات المتلاحقة، وبالتالي فان الازمات الكبرى تساعد في وضع الجميع امام المسؤوليات، لايجاد الحلول المناسبة للخروج من المأزق الاجتماعي، من خلال خلق الوسائل القادرة على تحريك المناطق ”الباردة“ في العقول الجامدة، بطريقة مختلفة تماما عبر الاستفادة من الازمات، بحيث يعود على البيئة الاجتماعية بالفائدة، والخروج من دائرة التفكير الضيق.

بكلمة، فان السلوكيات الاجتماعية ليست قدرا محتوما على الجميع، فهي ممارسات فرضت نفسها على الجميع، من خلال مجموعة عوامل، مما يستدعي وضع تلك العناصر في الاعتبار، بهدف خلق مناخ اجتماعي لاعادة ترتيب تلك السلوكيات، بما ينسجم مع المستجدات، والتحولات الخارجية في مختلف الاتجاهات.

كاتب صحفي