آخر تحديث: 29 / 10 / 2020م - 1:42 م

ثقافة كورونا

محمد أحمد التاروتي *

رسخت جائحة كورونا ثقافة اجتماعية على كوكب الأرض، حيث تختلف اشعاعاتها تبعا لطبيعة المجتمعات البشرية، مما يؤسس لثقافة شعبية مغايرة تماما عن المراحل الثقافية السابقة، بحيث تفتح المجال امام النخب الفكرية للابداع والانطلاق بشكل مختلف، خصوصا وان الاثار المترتبة على وباء كورونا، بمثابة منطلق لبدء مرحلة جديدة في عالم الثقافة، بحيث تكون الجائحة نقطة أساسية للتعريف بالجوانب الثقافية، الناجمة عن انتشار الوباء على المستوى الاجتماعي.

الاثار الاجتماعية لهجوم الفيروس القاتل، ستبقى ماثلة في الموروث الثقافي لفترة طويلة، بحيث تمهد الطريق امام ”مفردة“ للدخول في المعجم الاجتماعي، مما يعطيها مساحة واسعة للشرائح الاجتماعية للبقاء في الذاكرة الإنسانية خلال الفترة القادمة، خصوصا وان الامراض الوبائية تفتح شهية النخب الفكرية، للاستفادة منها للتجربة على الصعيد الثقافي، نظرا لما تمثله من اهتمام كبير لدى مختلف الشرائح الاجتماعية، وبالتالي فان ثقافة كورونا ستكون حاضرة في البيئة الاجتماعية خلال الفترة القادمة، بحيث تترجم على شكل العديد من الاعمال الفكرية.

الاضرار الكبيرة التي تركتها جائحة كورونا، على المجتمعات البشرية، ستكون دافعا قويا لتحريك الموروث الثقافي في الضمير الإنساني، لاسيما وان الازمات الكبرى تخلق بيئة مثالية لوضعها ضمن المفردات اليومية، مما يسهم في إرساء قواعد ”ثقافية“ ذات طبيعة خاصة، تكون معطياتها متفاوتة على البشرية، فهناك التعامل الثقافي العميق للأثر في التركيبة الاجتماعية، فيما تقتصر بعض المعالجات الثقافية على القصور والنظرة السطحية، وبالتالي فان طبيعة ثقافة كورونا ليست على مقاس واحد، بالنسبة للمجتمعات البشرية.

النخب الثقافية تحاول الاستفادة من كورونا، بمختلف الوسائل والطرق، فتارة بواسطة التعامل معها كونها ”القاتل الخطير“، وتارة أخرى بالنظر الى الاثار الاجتماعية الكبيرة، وثالثة بوصف ”فوبيا كورونا“ بشكل اساس والرابعة يقتصر على تناول العادات الاجتماعية، وبالتالي فان المساحات الكبيرة لجائحة كورونا ستخلق حراكا ثقافيا واسعا في السنوات القادمة، خصوصا وان الأوبئة الخطيرة التي انتشرت في القرون الماضية ما تزال ثقافتها ماثلة امام البشرية.

إرساء قواعد ثقافة كورونا، بدأ منذ اللحظات الأولى لانتشار الوباء على الصعيد العالمي، فالاخبار اليومية لضحايا الفيروس، تلقى رواجا كبيرا في مختلف البلدان، مما يمثل حالة ثقافية جديدة بدأت تتسرب الى الوجدان الإنساني، نظرا لطبيعة المرض الذي اخذ البشرية على حين غرة بين ليلة وضحاها، بحيث اصبح ”حديث الساعة“، ومادة التداول اليومي لدى جميع المجتمعات البشرية، مما يعني ان ملامح مرحلة ثقافية إنسانية، بدأت تطل برأسها، تبعا لطبيعة البيئات الاجتماعية المختلفة.

تعامل المجتمعات البشرية مع جائحة كورونا، يمثل مرآة لنوعية الثقافة السائدة، باعتبارها شكل من اشكال التفاعلات مع الازمات، وكذلك انعكاسا للموروث الاجتماعي القائم، خصوصا وان المجتمعات البشرية تحاول التعاطي مع الازمات بطريقة تتوافق مع المرتكزات السائدة، فالمجتمع الذي ينظر بطريقة مختلفة لوباء كورونا يتحرك وفقا لتلك الاليات المتبعة، بينما يحاول المجتمع الذي يعتمد على التعاون الاجتماعي، فانه يسعى للتخفيف من التداعيات الناجمة عن ”التباعد“ الحاصل، وبالتالي فان ثقافة كورونا ستكون حاضرة في الممارسات اليومية، للمجتمعات البشرية في العديد من المجالات المختلفة.

يصعب حصر التأثيرات الثقافية لوباء كورونا، خصوصا وان التفاعلات الاجتماعية الشاملة خلال الفترة الماضية، ستفتح الباب على مصراعيه لمختلف المجالات الثقافية، حيث ستجد النخب الثقافية بحرا واسعا من المواضيع لتناولها خلال الفترة القادمة، الامر الذي يسهم في احداث حراك كبير يطال مختلف الفئات الاجتماعية، انطلاقا من فيروس اسقط الكثير من الضحايا التي سقطت خلال الفترة الماضية.

مفردة ”كورونا“ ستكون ماثلة في الموروث الثقافي الاجتماعي، باعتبارها محرك أساسي في البناء الفكري خلال الفترة القادمة، خصوصا وان القضايا الكبرى تشكل قاعدة صلبة لتكريس ثقافة محددة، فالاجراءات الاحترازية والعلاقات الاجتماعية، والمخاوف الصحية، عناصر أساسية لارساء ثقافة مستقبلية، ستتناولها المجتمعات البشرية في مختلف المجالات.

كاتب صحفي