آخر تحديث: 19 / 9 / 2020م - 8:53 م  بتوقيت مكة المكرمة

المثقف.. كورونا

محمد أحمد التاروتي *

تمارس النخب المثقفة أدوار متعددة في الازمات الكبرى، بهدف ضبط ايقاعات التيارات الاجتماعية، خصوصا وان الانفلات يحدث ضياعا لدى العديد من الفئات الاجتماعية، مما يستدعي توجيه البوصلة باتجاه مسارات محددة، والحرص على إعادة التوجهات الفكرية بالاتجاهات المناسبة، نظرا لخطورة الفوضوية والتشتت على التماسك الداخلي، وبالتالي فان وجود نخب قادرة على رسم خارطة طريق للشرائح الاجتماعية، مسألة غاية في الأهمية على المدى القريب، والمتوسط، وكذلك على الأمد الطويل.

غياب الأدوار الثقافية للنخب الفكرية، يعطي إشارات سلبية على الصعيد الاجتماعي، فالجميع يتطلع للدور القيادي للنخب الثقافية في إدارة الملفات الكبرى، باعتبارها الأكثر قدرة على رسم ملامح المراحل القادمة، وكذلك قراءة المشهد الواقعي بطريقة مغايرة تماما، نظرا لامتلاكها الأدوات اللازمة لاختيار المسارات المناسبة، لاسيما وان النخب الثقافية تعمل وفقا لقواعد أساسية بعيدا عن القرارات الارتجالية، مما يؤسس لحالة من التوازن في معالجة الازمات، بحيث يؤدي الى رسم ملامح واضحة لتجاوز التداعيات المترتبة على الملفات الكبرى.

كورونا تمثل ابرز التحديات الراهنة على الصعيد الاجتماعي، نظرا للاثار المترتبة على الصعيد الثقافي، حيث أصبحت جزء من الثقافة اليومية الاجتماعية، فهي بمثابة ”الخبز اليومي“، مما يتطلب توظيفها بشكل مختلف على الصعيد الاجتماعي، فهناك الكثير من المعالجات بدأت تظهر على الساحة، بيد انها لم تؤسس لمشروع ثقافي متكامل، مما يستدعي التحرك النخبوي لوضع الأطر المناسبة، لارساء المشروع الثقافي على الصعيد الاجتماعي، بمعنى اخر، فان النخب الثقافية مطالبة بتحديد المسارات القادمة للتعاطي مع ازمة كورونا، خصوصا وان ارهاصات المعطى الثقافي على الصعيد الاجتماعي بدت جلية في الكثير من الجوانب الحياتية.

النخب لا تمتلك ”العصا السحرية“ لمعالجة التأثيرات الثقافية على البيئة الاجتماعية، بيد انها اكثر قدرة على وضع ”الاصبع“ على الجروح، ومحاولة تقديم وصفات اكثر قربا للعلاج، مما يمنح الوسط الاجتماعي مساحات كبيرة للتحرك وفقا لتلك الوصفات العلاجية، خصوصا وان النخب الثقافية قادرة على توجيه الرأي العام باتجاهات مختلفة، حيث تلعب التوجهات الفكرية دورا أساسيا في تبني بعض المعالجات، مما يجعلها تفضل بعض الحلول على الأخرى، من اجل التغلب على التداعيات السلبية الناجمة، عن تفاقم جائحة كورونا.

المعطى الثقافي لازمة كورونا يتجلى في هيمنة الفيروس على جميع تفاصيل الحياة اليومية للفرد، بحيث اصبح هاجسا على مدار الساعة، مما يؤسس لواقع ثقافي مختلف تماما عن المعطيات الثقافية الأخرى لبعض الازمات السابقة، فالتأثيرات الكبيرة على البيئة الاجتماعية لجائحة كورونا تتجاوز الكثير من التداعيات للعديد من الازمات الأخرى، خصوصا وان كورونا باتت هاجسا عالميا، مما يعني ان النخب الثقافية بحاجة الى التعاون المشترك لرسم مشروع ثقافي يتجاوز الواقع المحلي، بهدف تحريك الملف بالشكل المناسب للمرحلة القادمة.

الدعوة للعمل على مشروع ثقافي عالمي لمعالجة ارهاصات جائحة كورونا على المجتمعات البشرية، لا تمثل تجاوزا للخصوصيات الاجتماعية المحلية، فهناك قواسم مشتركة على الصعيد العالمي، بحيث تمثل مدخلا أساسيا للنخب الثقافية لارساء قواعد التعاون العالمي، بيد ان تغافل العناصر المحلية لا يخدم البيئات الاجتماعية المختلفة، نظرا لوجود تأثيرات محلية تختلف من مجتمع لاخر، وذلك تبعا لاختلاف الثقافات العالمية، وبالتالي فان النخب الثقافية مطالبة بالبحث عن المشتركات، والتركيز على المعالجات المحلية بالدرجة الأولى.

دور النخب الثقافية مرهون بالقدرة على تشخيص المشكلة الأساسية، فهناك معالجات تتعامل مع القشور وتتغافل عن الجوهر، مما يجعل الحلول غير نافعة او غير مؤثرة على المدى البعيد، وبالتالي فان القدرة على اختراق الظواهر والنظر بعمق للاثار الناجمة عن جائحة كورونا، يسهم في وضع الأسس المناسبة لرسم المسار الثقافي للمجتمع في المرحلة القادمة.

جائحة كورونا ستزول كغيرها من الأوبئة التي عاصرتها البشرية خلال القرون الماضية، بيد ان التحدي يتمثل التحرك السريع للاستفادة من الفسحة الزمنية الحالية، لايجاد المناخات المناسبة لتوجيه البيئة الاجتماعية بالاتجاهات الإيجابية، خصوصا وان التركيز على التداعيات السلبية يحدث حالة من التنافر الداخلي، ويقضي على توظيف الازمات بالطريقة المناسبة.

كاتب صحفي