آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 7:40 ص

تباشير الرطب تعيد أبي حيًّا

لا أعرف تاريخ ميلاد والدي، فلربما كان في بدايات القرن العشرين، القرن الذي أسميه عصر النخلة الذهبي الثمين في القطيف قبل أن يتحول الآن إلى عصرها الحجري الرخيص.

رأيته بالأمس حين اشتريت شريحة تزن كيلوغرام، أو تزيد قليلاً، من الرطب المخلوط الجيد بالرديء بخمسة وثلاثين ريالاً من رجلٍ آسيوي. قلبتها يمنةً ويسرة وانتابتني الحسرة كيف استولى على النخلة من لم تكن مهنته ”النخلوة“ من بنجلاديش والهند ونيبال، وغيرها من البلدان، بدلاً من أن تتحول زراعتها الى مصدر تميز ودخل قيم لأهلها ومحبيها؟ حيث التمر لم يعد فقط فاكهة وطعام الفقراء في الصيف والشتاء بل من أجمل الفاكهة التي يشتريها الأغنياء والمترفون طوال أيام السنة وبقيمةٍ عالية، تُهدى وتؤكل، يستطيبها الضيف ويصطفيها الملوك.

فلا غر إذاً حيث أصبح الرطب والتمر يأتينا من الخارج بعد سنوات والدي الذي كان بستانه في جزيرة تاروت تقصده نساء كل قرى الجزيرة، وعلى الخصوص نساءٌ من دارين وسنابس، وفي يدهن عصي وعلى رؤوسهن قُفَف أو زنابيل من الخوص. وحالما يصلن يجلن بين النخيل ويخترن النخلة. يملأ والدي زنبيل كلَّ واحدةٍ منهن ويحفر حفرة في أحد جوانب العصا يسميها ”فرض“. ثم يكون الحساب ريالات قليلة في نهاية الموسم لا تكاد تغطي تعبه لو لم يكن يسكنه عشق المهنة. 

لم تكن فقط علاقة بائعٍ مع مشترٍ بل كانت صداقات بين العوائل دامت واستمرت بعد تركه مهنته ثم موته. وأظنه لو عاد من قبره اليوم ومعه أصدقاء طفولته من الفلاحين والنخالوة سوف يجدونها مهنةً مهملة هجرها أهلها فهاجرت هي عنهم إلى بلدان أمريكا الشمالية الذين عرفوها باسم ”جواهر الصحراء“. ولربما نحو الصين في المستقبل القريب، ليعود جناها وثمرها مدسوسًا بين جنبات الكعك والبسكويت والشوكولاتة وكلما لذَّ وطاب من أشهى أنواع الطعام!

من المفيد أن يدرس أبناء المنطقة أسباب هجرة التمور منها نحو غيرها، إلى مناطق لم تكن تعرفه في الداخل والعالم، ثم انتقت أجوده وأطيبه وأصبحت تشتهر به وتبيعه معلبا فاخرا بعشرات الدولارات في باريس ولندن. فمن الجيد أن يدرس الأثرياء الجدوى الاقتصادية من هذه الثروة المهملة وإن كانت تستحق أن تعود أيادي شابة من أهلها ترعاها، وبتقنيات تتوافق مع الزمنِ الحاضر.

مستشار أعلى هندسة بترول