آخر تحديث: 26 / 11 / 2020م - 9:36 م

الفاعلية الثقافية: تجربة القراءة مثالا

محمد الحرز * صحيفة اليوم

تجربة القراءة والتلقي من الظواهر المهمة التي تؤثر على فاعلية الثقافة في أي مجتمع. ليس بالمعنى الكمي أو الكيفي.

أي أن مقياس هذه الفاعلية لا يعني انتشار القراء في جميع شرائح المجتمع، بحيث تصبح القراءة هاجسا كبيرا، لا ينفك يلقي بظلاله على حياة الفرد والمجتمع كما نرى هذه الأيام، بالخصوص حين نتصفح شبكات التواصل الاجتماعي، يظهر لك هذا الشخص يستعرض الكتب التي قرأها، في فترة زمنية معينة، مع رصها والتصوير معها، أو ذاك الشخص الذي يقدم نصائح لمتابعيه من القراء، في كيفية اختيار الكتاب للقراءة، أو أن هذا الكتاب ضعيف من الناحية الفنية دون أن يقدم دليلا منطقيا مقنعا.

ولا يعني أيضا المعنى الكيفي، أي في الأوساط المتعلمة التي امتلكت الخبرة المعرفية من خلال وضعها الأكاديمي المختصة بالعلوم الإنسانية، أو من خلال العمل الصحفي، أو في أي مجالات أخرى تتطلب الاطلاع المستمر على المجال الذي يرتبط به، من خلال القراءة كمهنة الطب والهندسة.

فالكثير من هؤلاء الذين اكتسبوا الخبرات المعرفية، تكون عادة القراءة المكتسبة عندهم تخضع كثيرا للتخصصات التي ارتبطت بهم منذ أن ارتهنوا لتخصصاتهم، وهذه أزمة لا ترتبط بهم أو بقدراتهم الذهنية أو الشخصية، بقدر ما ترتبط بالتخصص ذاته أيا كان هذا التخصص، ومن ثم وضعيته في الجامعة أو في مساره ضمن سياسة التعليم المعمول بها.

لذلك تجربة القراءة والتلقي باعتبارها فاعلية ثقافية عند هؤلاء معدومة النتائج أو بلا فاعلية تذكر، بسبب: أولا: كما ألمحنا بالسياسات التعليمية التي تتصل بالدولة نفسها، ولو أخذنا - مثالا - مصر الدولة العربية الأقدم في مسألة التعليم، فعبد الناصر من منطلق رؤيته الإيديولوجية القومية فتح الباب للتعليم المجاني في الجامعات، وفي نفس الوقت ألغى تعليم اللغات الأجنبية كالفرنسية والإنجليزية «بحجة أننا في غنى عن ذلك، وهكذا انحط مستوى التعليم في هاتين اللغتين في جامعاتنا حتى لم يعد لها وجود على الساحة العالمية» هذا ما يقوله العالم والمحلل النفسي المصري مصطفى صفوان بتحسر ومرارة.

إذن هذا مثال واحد على الأثر الذي يتركه رسم السياسات على التعليم، وخطورته على مستقبل التعليم في البلاد العربية.

ثانيا: انحسار الفاعلية تتجلى مظاهره في الكثير من المواقف التي يستعرض أصحابها، على مواقع التواصل الاجتماعي، أفكارهم بطريقة بيداغوجية «تعليمية فجة في أغلب الأحيان»، لا تشير في عمقها سوى إلى الطريقة التي يتعاملون بها، من خلال أسلوبهم القرائي، مع الكتاب. بالطبع مثل هذه المواقف لا تخص هذه الفئة فقط. لكن وقعها وأثرها على الآخرين أكثر من غيرها بحكم الموقع والمكانة والتخصص.

لكن قبل أن نختم المقال، نتساءل هنا: ما الفاعلية التي تتصل بالثقافة من خلال هذه التجربة القرائية؟!

يمكن اختصار هذه الفاعلية في كون القراءة وسياقات تلقيها عند الفرد هي في احتوائها على عنصر الحرية، فلا يمكن في سياق هذه التجربة، أن لا يمارس القارئ حقه في تلقي الأفكار بحرية مطلقة، مهما كان موقعها أو مهما كان السياق التي ترد فيه، فبالمحصلة تجربة القراءة تجربة تنطوي على مغامرة، وليس لها اشتراطات مسبقة، تحد من تصوراتها في أذهاننا، أو تقلص من حدودها. وهذا يعتمد بالأساس على سياق تربوي تعليمي اجتماعي تقليدي، يتشكل منذ الصغر، ثم يكبر شيئا فشيئا وينمو عقليا حتى يترسخ. وهذه تحتاج مديات زمنية، محصلتها النهائية، زمن تنويري بامتياز.