آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 9:21 م

إذا أنا لمن أشكو الزمان؟

في أحد الصباحات طلب حفيدي حبوبًا مع الحليب في وجبة الإفطار. وقبل ان يأكلها طلبَ شيئًا آخر ولم يأكله، ثم طلبًا ثالثا فلم نعطه إياه. فأخذ بالصراخ مرددًا Not fair, ”ليس من العدل“، فقلتُ له: حقًّا؟ إذا اسمع لتعرف المشكو والشاكي:

مرحبًا بك تحت قوسِ العدالة المختل فأنا من كان عليَّ أن أقولَ هذه الجملة الشاكية قبل خمسين ونيفٍ من السنين حين لم أجد مادةً واحدةً للإفطار وكسر قوة وقبضة الجوع.

في زمن ولادتي كانت صحة أحدنا ورفاهيته وتعليمه أكبرَ تحدٍّ له، وربما كانت حظوظه تتساوى بأن يكون أميًّا لا يقرأ أو يكتب أو يكونَ من كبار المثقفين. وصحته تتساوى فيها احتمالية أن يعيشَ دون عاهة أو يصاب بواحدة. أما معدل عمره فكان حتمًا أقل منه الآن.

من بين ثقوبِ هذه الذكريات يمكنك أن ترسمَ صورةً مكبرةً عن الحياة التي عشناها في المستشفيات والمدارس والأسواق والأعمال واللعب ثم تعرف من له الحكم والغلبة.

تشتكي من العدالة وأنت طفلٌ صغير تنعم بالنومِ المريح والهواء البارد والأكل الطيب! بينما كان فصل الصيف في زمن جدك زمن الثمار والخيرات إلا أنه كان زمنَ المعاناة والمكابدة في الحصول على سويعاتٍ من إغلاقِ جفنٍ بين لسعِ ووخز البعوض والذباب. فلا كهرباء تحضر باستمرار ولا ماءَ يأتي دون انقطاع.

في كثيرٍ من أيام الصيفِ الحارة والرطبة أسأل نفسي: كيف استطاع أبي وأجدادي العيشَ في هذه البيئة وتطويعها بما يكفي لبقائهم فيها؟ تأقلموا مع الظروف البيئية والمناخية، فبللوا الخيشَ لترطيب أجسادهم واستعملوا الخزفَ لتبريد الماء وزرعوا النخيلَ والأشجار وبنوا دورهم بينها. كما اعتمدوا على ما تجود به أرضهم فاستطاعوا توفيرَ ما يكفي من الطعام وأدوات الحياة.

تتهم الحياةَ بنقص العدالة وأنت تمشي فوق طريقٍ مرصوف، لا من الطينِ والتراب، وتسكن في دارٍ حديثة الطراز والمعمار ولك حجرتك خاصتك بينما بيوت أجدادك بنيت إما من الحجارة أو من الطين، أو صُنعت في أغلبِ الأحوال من جريدِ النخيل!

مع كل القسوةِ والغلظة عشنا الليالي والأيام بجمالها وبؤسها حتى ظننا أنها لن تنتهي، ولو عادت بجحيمها عشناها برضا مراتٍ ومرات. في الأمس كما اليوم أحببنا الحياة، وإن شكونا الماضي فليس لأنه قاسٍ، بل لأنه انتهى ومرَّ سريعًا مرورَ البرق اللامع. وأنت أيضًا يجب عليك أن تعيشَ أيامكَ وتتمتع بها دون شكوى.

بني: هذه المرافعة وتذكيرك بالجيلِ السابق هي لتسجل في مفكرتك حياةَ الأجيال الماضية فمن الضروري العظة في كيف عاشوا فربما تعود تلك الايام مرة أخرى، وما المانع؟

هذه هي الحياة، ليالي وأيام فيها عبر وعظات فما الداعي للشكاة وأنت لم تعرف منها إلا السرور، أدامه الله عليك؟!

مستشار أعلى هندسة بترول