آخر تحديث: 3 / 12 / 2020م - 11:00 ص

بين المتاهة والضياع

حياة الضياع مسمى يصدق على مجموعة من الناس لا يدركون قيمة الحياة ودورهم الوظيفي فيها، إذ من الأبجديات التساؤل عن أهمية الحياة بالنسبة لمخلوق أكرمه الله تعالى بنعمة العقل والإرادة والقدرات المتنوعة، والتي من خلالها يبني شخصيته وفق مقومات القوة والوجود الإنجازي، وهذا ما يعتمد على إدراك أهمية الوقت ومستوى الجهد الذي يبدله في طريق الوصول إلى أهدافه.

البعض يحيا وقد تزاحمت في مخيلته الأحلام الوردية ناسجا معالم تكوينها في عالمه الافتراضي لا على أرض الواقع، دون أن يدرك حقيقة الإنجاز وتحقيق الأهداف من خلال العمل المثير، والذي يواجه في محطاته الكثير من العثرات والعراقيل التي تحتاج إلى همة عالية وصبر لتجاوزها والانطلاق بعدها.

المنطلق الصائب للمرء في الحياة وقبل أن يتمسك بخيط أي مسار في دروبها هو معرفة الهدف من وجوده والوظيفة الملائمة لكيانه المكرم، فقيمة حياته بمقدار ما يخطط لها من أهداف يحفز قدراته لتحقيقها ويعمل جاهدا وبإرادة قوية لتجسيدها على أرض الواقع وتذليل العقبات المصادفة له، وحتى على مستوى علاقاته بالآخرين في تألقها أو هيافتها ونطاق فراغيتها يعتمد على ما يمتلكه من رؤية واضحة لكيانه الإنجازي، ومن كانت على عينيه غشاوة ولازم التكاسل والتعاجز والعبثية في متاهات الحياة وتعقيدات أحداثها فسيتوه في مساربها الوهمية، لذا فستكون حياته غير محسوبة الخطى ويستنزف وقته.

والبعض يضيع وقته بالانشغال بأحوال الآخرين وأخبارهم، مما يصرفه عن الهدف المنشود الذي يفترض أن يعمل على تحقيقه، فتشتت الذهن والعمل يؤدي إلى ضياع بوصلة العمل وتثقل كاهله بالأمور والمتطلبات المؤجلة حتى يضيع تركيزه واهتمامه ويجد نفسه محاطا بهالة تراكم لا قبل له بأدائها، بينما يفترض علينا التعامل مع أحوال وخصوصيات الآخرين بالتجاهل بعيدا عن الاشتباك مع مساراتها وتتبع نهاياتها، فلن نجني من التطفل ودس الأنوف في مفاصل حياة الغير إلا الخسارة الفادحة، فكم من الأوقات نضيعها - ونحن بأمس الحاجة إليها - في متابعات لا طائل منها تتعلق بتفاصيل حياة الآخرين، مما يشكل قدرا كبيرا من العبء والضغوط المرهقة والمانعة من التركيز الذهني على ما هو مهم ومجد.

فلننظر إلى أحوالنا في التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي التي اقتحمت حياتنا بقوة، فلم نعد نلقي بالا إلا بتفاصيل حياة الآخرين ومتابعتها والانشغال بها، فضاعت الجهود وضعفت الإرادة عن التسلح بالعلم واكتساب المعارف وتنمية المهارات المتعددة، فما الذي سنجنيه - في النهاية - من قضاء الأوقات الطويلة أمام مواقع التواصل غير ازدحام عقولنا بالأحداث الفارغة وتشتت فكرنا عن الأهداف السامية التي يفترض أن نتمسك بها في طريق السمو والرقي؟!

وطريقة التجربة والخطأ أسلوب مضيع للوقت والجهد كذلك، إذ يتحرك المرء دون دراسة وتخطيط بل يتهور ويتفاعل كل فترة مع فكرة أو مشروع ويتحمس له بقوة، وبعدها تفتر همته بسبب إخفاق أو مصادفة إحدى العراقيل ليبدأ جولة جديدة مع اتجاه آخر غير مدروس بعناية وهكذا، هذا الضياع والتزاحم سببه عدم التعرف على قدراته وإمكانياته ومتطلبات ذلك المسار قبل البدء في المناسب منه.

ومن تلك النواقص التي تسبب خللا وضياعا في الحياة هو ترك محاسبة النفس وتأنيبها على الأخطاء المرتكبة ومتابعة نقاط التقصير عنده، فليس هناك أحد منا من هو خارج إطار الوقوع في إحدى محطات الإخفاق، والنهوض وتجاوزها يحتاج إلى دراسة العوامل المسببة لذلك ومن ثم معالجتها وتجنبها مستقبلا.