آخر تحديث: 29 / 10 / 2020م - 1:12 م

الابتكار.. التقليد

محمد أحمد التاروتي *

الموقف من الابتكار اقل حد في العادة من التقليد، فالاول يجد معارضة قوية في البداية، انطلاقا من مبدأ ”الناس أعداء ما جهلوا“، ولكن الموقف يتحول الى تأييد، وتشجيع بعد اكتشاف الحقيقة، والوقوف على المزايا والإيجابيات، المترتبة على مساندة الابتكار، فيما الموقف يبقى معارضا وشديدا بالنسبة للتقليد، باعتباره تعديا على حقوق الاخرين، الامر الذي يكشف التباين الكبير بين الابتكار والتقليد، فالاول يكشف الجهد المبذول في سبيل الوصول، الى تلك الأفكار ومحاولة ترجمتها على الواقع، فيما الثاني يعطي دلالة على ”السرقة“، ومحاولة التعدي على حقوق الاخرين.

طريق الابتكار ليس مفروشا بالورود في أحيان كثيرة، فالعملية خاضعة للكثير من عمليات الشد والجذب، نظرا لوجود تفاوت كبير في مسألة الايمان، بجدوى الابتكارات، وقدرتها على تحقيق الأهداف المرسومة، الامر الذي يفسر المعاناة الكبيرة التي تواجه الابتكارات على مر القرون، فكثيرا ما واجه المبتكرون معارضة قوية، سواء من ”الحساد“ او من البيئة الاجتماعية، بحيث تنعكس على صور مختلفة، بعضها مرتبطة بالابتعاد الكامل عن تلك الابتكار، والبعض الاخر يترجم على شكل تحريض على أصحابها، بيد ان المعارضة الشديدة سرعان ما تتحول، الى مساندة وتشجيع كبير، نتيجة تلمس الاثار الإيجابي، لتلك الابتكارات على الواقع الخارجي.

عملية الايمان بالابتكار، وتمهيد الطريق امام تكريسها، في الواقع الاجتماعي، تتطلب في كثير من الأحيان فترة زمنية ليست قصيرة، خصوصا وان التفاوت الثقافي يلعب دورا كبيرا، في فتح الطريق امام تلك الابتكارات، فهناك الكثير من الابتكارات لم تحظ بالمباركة في الجيل الأول، ولكنها وجدت مناخا مناسبا في الجيل القادم، بحيث يحظى أصحابها بالتقدير والاحترام، بعد سنوات من طرحها في البيئة الاجتماعية، بخلاف الحقبة الزمنية التي صاحبتها في الجيل الأول.

الابتكار عملية ضرورية لارتقاء بالمجتمعات البشرية، خصوصا وان الوقوف على مسارات محددة، دون التفكير في تطويرها، يحول دون الهدف الأساسي، من ”خلافة الانسان على الأرض“ فالهدف يكمن في عمارة الأرض، مما يستدعي التطور المتواصل للبناء الثقافي، والعمل على تكريس الرقي في البيئة الاجتماعية، وبالتالي فان الابتكار يمثل السبيل نحو التقدم، ومواصلة مسيرة العطاء والبناء، التي انطلقت منذ قرون عديدة، بمعنى اخر، فان الدخول في مواجهة مباشرة مع ارباب الابتكار، يمثل خسارة كبرى للبشرية، نظرا لانعكاساتها على طبيعة التفكير الإنساني من جانب، وحرمان العقل الجمعي من التحرك باتجاه الافاق الرحبة من جانب اخر، مما يعطل عمليات التطور الاجتماعي، ويعرقل كافة الخطوات الإنمائية.

التقليد يشكل ضرورة في البداية، فالاستفادة من العلوم الأخرى ليس عيبا، ولكنه عملية طبيعية، وليست مستغربة على الاطلاق، ”والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ? لعلكم تشكرون“ و”وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا“، وبالتالي فان محاولة الاستنارة من العلوم الإنسانية خطوة أساسية، بيد انها تتحول الى مثلبة كبرى، بمجرد تحولها الى مرض مزمن، في عملية التحرك الحياتي، فالعقول غير القادرة على الانفكاك من التقليد، ليست قادرة على العطاء بمفردها، مما يجعلها محكومة بافكار، وابتكارات الاخرين، نظرا لوقوعها أسيرة للاخر، وخاضعة للتنويم المغناطيسي، الامر الذي يستدعي اخضاعها للصقعات الكهربائية، لتحريك العقول بالاتجاه الاخر.

الوقوف امام التقليد يتطلب وضع برنامج عملي، قادر على وضع العقول بالاتجاه الصحيح، فالعملية تتطلب الكثير من الجهد للقضاء، على مختلف عمليات التقليد في مختلف المجالات، وبالتالي فان الموقف الرافض للتقليد يدخل ضمن الحلول العملية، لمواجهة هذه المعضلة الكبرى، خصوصا وان السكوت على التقليد يفرضها كثقافة اجتماعية في العقل الجمعي.

بكلمة، فان الابتكار يمثل الطريق باتجاه التنوير الاجتماعي، بهدف القضاء على عناصر التواكل، والاستناد على جدار ”التقليد“، فالابتكار قادر على احداث الاستقلالية الفكرية والعملية، فيما التقليد يضع البيئة الاجتماعية تحت رحمة الاخر، نظرا لعدم القدرة على التحرك خارج إرادة الاخر، وفقدان العمل بحرية تامة في مختلف المجالات الحياتية.

كاتب صحفي